عقدت لجنة المالية والميزانية جلسة مشتركة مع لجنة تنظيم الإدارة وتطويرها والرقمنة والحوكمة ومكافحة الفساد يوم 10 فيفري 2026 استمعت خلالها إلى ممثلين عن وزارة تكنولوجيات الاتصال ومدير عام الوكالة الوطنية للمصادقة الالكترونية حول مقترح قانون يتعلق بتنقيح القانون عدد 17 لسنة 2025 المؤرخ في 12 ديسمبر 2025 المتعلق بقانون المالية لسنة 2026.
وحضر الجلسة رئيس لجنة المالية والميزانية السيد ماهر الكتاري ونائب الرئيس السيد ظافر الصغيري والمقررة السيدة زينة جيب الله، وأعضاء اللجنة السادة فاضل بن تركية ومحمد زياد الماهر ومحمد بن حسين وإبراهيم حسين وآمال المؤدب ومصطفى بوبكري وعصام شوشان وعلي زغدود، كما حضر الجلسة عن لجنة تنظيم الإدارة وتطويرها والرقمنة والحوكمة ومكافحة الفساد السيد سامي رايس رئيس اللجنة و السيد مراد الخزامي نائب الرئيس وعضويْ اللجنة السيد صابر المصمودي والسيدة فاتن النصيبي وعدد من النواب من غير أعضاء اللجنتين.
وبيّن رئيسا اللجنتين أن هذه الجلسة تهدف إلى تكوين رؤية دقيقة وموضوعية حول واقع الفوترة الإلكترونية، من خلال الوقوف على حقيقة الوضع القائم والصعوبات العملية التي تعترض مختلف المتدخلين. وبيّنا أن الأرقام والمعطيات المتوفرة أظهرت وجود تحديات حقيقية تتعلق بالقدرة على الاستجابة لمختلف الملفات الواردة من الحرفاء، وهو ما يستوجب تعميق النقاش البرلماني والتنسيق بين الهياكل المعنية من أجل إيجاد حلول ناجعة وقابلة للتطبيق.
وأفاد المدير العام للوكالة الوطنية للمصادقة الالكترونية أن تنظيم نشاط الوكالة يتم بمقتضى القانون عدد 83 لسنة 2000 المتعلّق بالمبادلات والتّجارة الإلكترونيّة ، واستعرض نشاط الوكالة المتمثل خاصة في ضمان سلامة المعاملات والمبادلات الإلكترونية ووضع اتفاقيات اعتراف متبادلة مع سلطات المصادقة الإلكترونية الأجنبية والتصرف في شهادات المصادقة الإلكترونية وتوفير شهادات المصادقة الإلكترونية وتحديد مواصفات الإمضاء الالكتروني إضافة إلى تطوير منظومات السلامة التي تعتمد على المصادقة الإلكترونية وكذلك منح رخص تعاطي نشاط مزود خدمات مصادقة إلكترونية وتنظيم دورات تكوينية في مجال الإمضاء الإلكتروني والتشفير.
وخلال النقاش، أفاد النواب أنّ تعميم الفوترة الإلكترونية لا يمكن أن يتم بصفة ناجعة دون توفر عدد كافٍ من المزودين القادرين على استيعاب الحجم الكبير للمعنيين بهذا الإجراء. وتساءلوا عن مدى جاهزية المنظومة الحالية للاستجابة للطلبات المتزايدة، خاصة فيما يتعلق بتوفير الهوية الرقمية، وحماية الإمضاء الإلكتروني، وضمان سلامة المعطيات الشخصية. كما استفسروا عن كيفية تعامل المؤسسات الصغرى، والمؤسسات الفردية، وذات الإمكانيات المحدودة مع الخدمات التي توفرها الوكالة، في ظل كلفة الخدمات الرقمية وتعقيد الإجراءات. وأكّدوا أن التشجيع على الرقمنة يقتضي اعتماد مبدأ التحفيز والانخراط الطوعي، لا فرض أعباء مالية إضافية قد تساهم في تكريس التهرب الجبائي بدل الحد منه.
كما أثاروا جملة من الإشكاليات العملية والقانونية التي تحول دون التطبيق الفعلي للفوترة الإلكترونية، مشيرين إلى أن هذا الوضعية تستوجب حلولًا تشريعية واضحة، ومراجعة الإطار القانوني المنظم للمسألة، مع التساؤل عمّا إذا تم تشريك الهياكل المعنية فعليًا قبل الإعداد لقرار تعميم هذا الإجراء.
وتساءل النواب عن الآجال الزمنية المطلوبة لتطبيق القانون بصفة كاملة، خاصة وأن وزارة المالية أكدت، خلال مناقشة قانون المالية، جاهزيتها لتطبيق الفوترة الإلكترونية، وهو ما يطرح إشكال التناسق بين التصريحات الرسمية والقدرات التقنية المتوفرة فعليًا.
كما تم استعراض تجارب مقارنة لعدد من الدول الشبيهة والمتقدمة التي واجهت صعوبات حقيقية في تطبيق هذا المسار، مما يفرض اعتماد مقاربة تدريجية وواقعية. وطرح النواب في هذا الإطار تقييمًا شاملًا للبنية التحتية الرقمية، خاصة في ظل ما يعانيه المواطن من ضعف الشبكات الإلكترونية، مشددين على ضرورة التسريع في تطوير الرقمنة العمومية، والقطع مع البيروقراطية، والتركيز أكثر على رقمنة المعاملات التجارية.
وطرح المتدخّلون استفسارات حول مراحل اعتماد الإمضاء الإلكتروني، وشروطه التقنية والقانونية، ومدى وضوح هذا المسار ، بما يضمن الثقة في المنظومة ويعزز نجاح مشروع الفوترة الإلكترونية.
وأفاد ممثلو وزارة تكنولوجيات الاتصال في ردودهم، أنه تمّ منذ شهر أكتوبر 2025 الشروع فعليًا في الأشغال المتعلقة بمسار الفوترة والمصادقة الإلكترونية، مع تأمين تنسيق منتظم مع وزارة المالية وشبكة تونس للتجارة، وذلك في إطار مقاربة تشاركية تهدف إلى ضمان الانسجام بين الجوانب التقنية والمالية والتنظيمية لهذا المشروع الوطني. وأوضحوا أن هناك اختلافًا في أصناف المطالبين بالأداء، وهو ما يفرض التعامل مع كل فئة بخصوصياتها، مؤكدين أن دور الوزارة يتمثل في التنسيق مع مختلف الأطراف المعنية لإيجاد الحلول التقنية الملائمة، خاصة في ما يتعلق بتوفير الهوية الرقمية واعتمادها كمدخل أساسي لتعميم الخدمات الرقمية.
وأكد ممثلو الوزارة أن القدرات التقنية متوفرة لتطبيق الرقمنة في مختلف المجالات، وأن الحلول التقنية قائمة وجاهزة، غير أن نجاح هذا المسار يظل رهين تكريس الرقمنة كثقافة إدارية واقتصادية، واعتماد مبدأ المرحلية في التنفيذ، مع التأكيد على ضرورة الشروع الفعلي في تطبيق الفاتورة الإلكترونية رغم وجود بعض النقائص.
كما قدّموا توضيحات حول مراحل الحصول على الهوية الرقمية ومفتاح TUNTRUST والإمضاء الإلكتروني عن بعد Digigo . وأشاروا إلى أنّ العملية تنطلق بالولوج إلى البوابة المخصصة وإدخال المعطيات المطلوبة، ثم التثبت من وجود المؤسسة وصحة المعلومات المقدمة عبر آليات الترابط البيني مع الهياكل المعنية، وخاصة السجل الوطني للمؤسسات. ويلي ذلك مرحلة التدقيق الفني والقانوني، ثم إصدار شهادة المصادقة الإلكترونية، وصولًا إلى الولوج إلى التطبيقة المعتمدة، والتي يشترط أن تكون مطابقة للمعايير الدولية للإمضاء الإلكتروني، خاصة بالنظر إلى حجم المعاملات التي تنجزها المؤسسة المعنية.
وواصلت اللجنة جلستهما بالاستماع إلى ممثل وزارة المالية الذي بين أنه تناغماً مع ما تضمنه رئاسة الجمهورية بخصوص اعتماد مبدأ المرونة في تطبيق أحكام الفصل 53 من قانون المالية لسنة 2026 والمتعلق بتوسيع مجال وجوبية اعتماد الفاتورة الإلكترونية على مسدي الخدمات وضرورة اعتماد مقاربة تدريجية في التنفيذ. تم إصدار بلاغ عن وزارة المالية يكرس هذا التوجه، كما تم إصدار مذكرة تفسيرية عن الإدارة العامة للدراسات والتشريع الجبائي، في انسجام مع ما تضمنه البلاغ. و أضاف أنّه تم التأكيد على أن اعتماد المرونة في المرحلة الانتقالية يهدف إلى ضمان التوازن بين متطلبات تطبيق النصوص القانونية وضمان جاهزية البنية التحتية الرقمية والموارد البشرية الضرورية، خاصة في ظل اتساع قاعدة المطالبين بالانخراط في المنظومة وارتفاع عدد المؤسسات والفروع الاقتصادية المعنية بالتطبيق التدريجي للفاتورة الإلكترونية كما بيّن أن المذكرة قد حدّدت بدقة الأطراف المعنية بإجراء الفوترة الإلكترونية، سواء المعنيين بصفة كلية أو جزئية، مع توضيح نطاق الالتزام القانوني لكل طرف. وقد تم في هذا السياق الفصل بين واجب الفوترة الإلكترونية المحمول وجوبًا على البائع، وبين وضعية الشاري، بما يتيح لهذا الأخير إمكانية القيام بالطروحات القانونية في الغرض، وذلك ضمانًا لوضوح المسؤوليات وتحقيق التوازن بين مختلف المتدخلين في المعاملة.
ومن جهته، أكّد ممثل شبكة تونس للتجارة أن المنظومة الوطنية للفوترة الإلكترونية جاهزة من الناحية التقنية وتعمل منذ سنة 2016، حيث استهدفت في مرحلة أولى المؤسسات الكبرى وبعض القطاعات الخصوصية، على غرار قطاع الأدوية وقطاع المحروقات، قبل أن يتم التوجه تدريجياً نحو توسيع مجال التطبيق ليشمل مختلف أنشطة الخدمات الخاضعة للأداء على القيمة المضافة، واستند إلى إحصائيات دقيقة حول نشاط المنظومة وعدد المؤسسات المستهدفة والمنخرطة حقيقيا وقدم معطيات عن تطور عدد المؤسسات التي انخرطت في المنظومة منذ إقرار العقوباب المتعلق بالفوترة الإلكترونية سنة 2025 وكذلك تطور عدد الفواتير الإلكترونية المنجزة
وأفاد ممثلو شبكة تونس للتجارة بأن الشبكة تحصّلت على شهادة رسمية تثبت قدرتها على الاستجابة لمتطلبات السلامة والأمن المعلوماتي، كما تم استصدار قرار خاص باستجابتها لحماية المعطيات الشخصية. وأوضح المتدخلون أن الشبكة تعمل حاليًا على إعداد بوابة رقمية تمكّن من الانخراط عن بعد، وقد تم عرض هذه البوابة على عمليات تدقيق فني للتثبت من استجابتها لشروط السلامة والمعايير المعتمدة. وأكدوا أن هذه البوابة ستصبح مفتوحة للعموم ابتداءً من 15 فيفري 2026، بما يساهم في تسهيل إجراءات الانخراط وتمكين المعنيين من مختلف الجهات من إتمام الإجراءات دون الحاجة إلى التنقل إلى العاصمة.
وخلال النقاش، أثار النواب جملة من التحفظات المتعلقة بحماية المعطيات الشخصية ومعايير السلامة، في ظل غياب هيئة حماية المعطيات الشخصية، معتبرين أن الشهادات المتحصل عليها تعود إلى فترة سابقة، وهو ما يستوجب إعادة التثبت من جاهزية المنظومة واحترامها لمتطلبات السلامة، خاصة بالنظر إلى حساسية المعطيات المتعلقة بالمؤسسات المعنية بالفوترة الإلكترونية.
كما تم التساؤل عن مدى جاهزية البنية التحتية الرقمية، ولا سيما منظومة الهوية الرقمية، وعن قدرة المنصة التقنية على استيعاب الحجم المتوقع للفواتير الإلكترونية، الذي قد يتجاوز 400 مليون فاتورة سنويًا في ظل وجود أكثر من 300 ألف مؤسسة معنية، إلى جانب الإشكال المتعلق بتخزين الفواتير لمدة لا تقل عن عشر سنوات .
كما تناولوا مسألة الاستعداد على مستوى شبكة تونس للتجارة، خاصة في ما يتعلق بتكوين وتأطير الفئات المهنية الصغرى، كالحرفيين وأصحاب المهن الحرة والخدماتية، ومدى تمكينهم فعليًا من الانخراط في المنظومة الرقمية، مع التأكيد على أن نسبة الانخراط الحالية لا تتجاوز 3% من المؤسسات المعنية.
وأكّد عدد من النواب ضرورة التعمق أكثر في مضمون الفصل المعني، معتبرين أنه يمس شريحة واسعة من المؤسسات، وخاصة مسدي الخدمات الصغار، وهو ما يبرر الدعوة إلى تأجيل تطبيقه أو تعليق العمل به مؤقتًا، بل وطالب بعضهم بإلغاء الفصل والعقوبات المترتبة عن عدم الانخراط في المنظومة.
كما طالبوا بمزيد التنسيق المسبق بين مختلف الأطراف المعنية، والاستماع إلى وزيرة المالية حول الموضوع، مع تحديد أجل زمني واضح وواقعي لدخول الإجراء حيز التنفيذ، بما يضمن حسن الإعداد ونجاح مسار الرقمنة والفوترة الإلكترونية.
وفي ردودهم، أوضح المتدخلون أن المذكرة الصادرة عن الوزارة لا تعلّق النص القانوني، بل تهدف إلى تفسيره وتوضيح مجالات تطبيقه. وأكدوا أن الإشكال المتعلق بالمهن الصغرى لا يرتبط بالفوترة الإلكترونية في حد ذاتها، وإنما بعدم تطبيق الفوترة بصفة عامة، مشيرين إلى أن الحرفيين غير معنيين بهذا الإجراء باعتبارهم لا يندرجون ضمن قطاع إسداء الخدمات.
وبيّن ممثلو الجهات المعنية أن إيداع الملفات لا يمكن أن يتم آليًا دون التثبت، نظرًا لخضوعه إلى مراحل متعددة من التدقيق والمراقبة. وفي ما يتعلق بالأمن السيبرني، تم التأكيد على أن منظومة التجارة ومنظومة الفوترة الإلكترونية تستجيبان لكافة شروط السلامة وحماية المعطيات، وأن شبكة تونس للتجارة قادرة على ضمان سرية وسلامة الفواتير الإلكترونية.
وفي الجانب التقني، أكّد المتدخلون أن المنصة الحالية قادرة على استيعاب ضغط كبير من الفواتير، حيث تبلغ طاقة التخزين حاليًا حوالي 250 مليون فاتورة إلكترونية، مع الاستعداد للترفيع في هذه القدرة مستقبلًا، بما يمكّن من استيعاب جميع المؤسسات المعنية بالإجراء دون إشكاليات تقنية.
كما تم توضيح أنه تم إحداث بوابة خاصة بالمهن الصغرى، تُمكّن المعنيين من إدخال المعطيات وإرسال الفواتير إلكترونيًا، مقابل معلوم قدره 190 مليم عن كل فاتورة، مع اشتراك شهري يناهز 10 دنانير، وذلك في إطار تبسيط الإجراءات وتيسير الولوج إلى المنظومة.
كما بين ممثلو الوزارة أن العقوبات المتعلقة بالفوترة الإلكترونية لا تتضمن عقوبات سالبة للحرية، بخلاف العقوبات المرتبطة بالإخلال بواجب الفوترة بصفة عامة، والتي يمكن أن تفضي إلى عقوبات جزائية. وأشاروا إلى أن البلاغ الصادر عن الوزارة يتعلق بتحديد الفئات المعنية بالإجراء قبل إقرار الفصل، وأنه في ظل عدم الجاهزية الكاملة للمنصة، لن يتم إقرار عقوبات. وأشاروا إلى أن بعض الوضعيات الخاصة يتم تدارسها حالة بحالة بالتنسيق بين الهياكل المختصة، لتحديد ما إذا كانت المؤسسة معنية بالفوترة أم لا.