نظّمت الأكاديمية البرلمانية لمجلس نواب الشعب اليوم الثلاثاء 31 مارس 2026 يوما دراسيا حول "مشروع قانون أساسي يتعلق بالموافقة على الاتفاق المبرم بتاريخ 14 جويلية 2022 بين حكومة الجمهورية التونسية ومفوضيّة الإتحاد الإفريقي حول مقرّ مركز التميّز الإفريقي للأسواق الشاملة"، أشرف عليه العميد إبراهيم بودربالة رئيس مجلس نواب الشعب، وحضره نائبا رئيس المجلس السيدة سوسن المبروك والسيد أنور المرزوقي ، والسيد كمال كرعاني نائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة ، وعدد من الخبراء والاطارات السامية من وزارات الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، والاقتصاد والتخطيط، والتجارة وتنمية الصادرات، والبنك المركزي التونسي.
وأكّد رئيس مجلس نواب الشعب في مفتتح الأشغال أنّ الأكاديمية البرلمانية دأبت على تنظيم هذه الأيام الدراسية بهدف تعميق النظر في القوانين الأساسية ومقترحات القوانين قبل إحالتها على الجلسة العامة والاستنارة بآراء الكفاءات والخبراء سواء من الوزارات او المنظمات أو الشخصيات الوطنية، وذلك بهدف تمكين المشرّع من ان يكون متبصّرا ومدركا للقرار الذي سيتخذه عند التصويت.
وابرز أهمية هذا العمل الذي من شأنه أن يمكّن مجلس نواب الشعب من ممارسة صلاحياته التشريعية على الوجه الأفضل، معتبرا أن القوانين تلزم الدولة عندما تصدر، ولابد أن تكون متماشية مع إرادة المشرّع وكذلك مع التوجّه العام الذي ترمي اليه كل الوظائف عبر سن التشريعات.
من جانبه، أكّد السيد كمال كرعاني نائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة، أن اللجنة ارتأت تسريع النظر في مشروع القانون الأساسي المتعلق بالموافقة على الاتفاق المبرم بين حكومة الجمهورية التونسية ومفوضية الإتحاد الإفريقي حول مقرّ مركز التميّز الإفريقي للأسواق الشاملة، بالنظر الى الايمان الراسخ بالأهمية التي يكتسيها إرساء هذا المركز بتونس، والايجابيات المنتظرة على عدة مستويات منها الاقتصادي عبر خلق وتسهيل فرص العمل وتوفير الدخل للفئات الضعيفة ودعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة ومزيد تفعيل الديبلوماسية الاقتصادية، فضلا عن تعزيز تواجد بلادنا في الفضاء الافريقي ودعم مكانتها وإشعاعها.
كما أكد العمل على معاضدة جهود الوظيفة التنفيذية الرامية الى توفير الظروف والامكانيات اللازمة لانطلاق عمل هذا المركز في أأأأفضل الظروف وأقرب الآجال، مبيّنا في هذا الإطار حرص اللجنة على تنظيم عدة جلسات استماع في شأن مشروع هذا القانون الى مختلف الجهات المعنية.
ثم قدّمت السيدة سارة شعواني عبيدي المديرة العامة بالنيابة للاتحاد الإفريقي والمنظمات الإفريقية بوزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج. مداخلة بيّنت في بدايتها الأهمية الخاصة لهذه الاتفاقية باعتبارها أول اتفاقية مقر لمؤسسة تابعة للاتحاد الافريقي ستتم المصادقة عليها من قبل مجلس نواب الشعب، في انتظار الشروع في الأيام القادمة في اجراءات المصادقة على اتفاقية مقر المعهد الافريقي للإحصاء. وأبرزت ما توليه تونس من عناية بالبعد الافريقي في سياستها الخارجية وحرصها على دعم توجهها الاستراتيجي نحو القارة الافريقية واحتضان مقرات مؤسسات دولية عموما وافريقية بصفة خاصة، مع السعي الحثيث نحو تكريس التكامل الاقتصادي وتعزيز التواجد في الاقتصاد العالمي.
واكّدت ان احتضان مقرات المؤسسات الافريقية أصبح مجال تنافس إيجابي بين دول القارة إدراكا منها لما يمثله ذلك من ثقل اقتصادي ورمزي واستراتيجي، مبرزة تسابق الدول لتوفير الأطر التشريعية والبنى التحتية والمناخ الاستثماري الجاذب لما لذلك من اثر مباشر في تعزيز مكانتها الاقليمية ودورها القيادي . وأضافت أنّ فوز أي دولة باحتضان مقر مؤسسة افريقية يعدّ شهادة ثقة في استقرارها السياسي وكفاءة مؤسساتها وجاهزية بنيتها التحتية وقدرتها على توفير بيئة داعمة للعمل متعدد الاطراف. وابرزت في ذات السياق حرص الديبلوماسية التونسية بالتعاون مع مختلف الوزارات والهياكل المعنية على تكثيف الجهود الرامية لاستقطاب مؤسسات تابعة للاتحاد الافريقي وخاصة منها الاقتصادية ايمانا بالدور الذي يمكن ان تقوم به في تحقيق الاندماج الاقتصادي للقارة والتنمية لشعوبها وقناعتها بقدرة بلادنا على توفير كل الظروف المناسبة لعمل هذه المؤسسات ونجاحها والاستفادة من المكاسب التي يمكن ان تجنيها الدولة التونسية من احتضان هذه المقرات وما يرافقها من إيجابيات على غرار تعزيز مكانتها كمركز إقليمي لصنع القرار الاقتصادي، وتحفيز الاستثمار والنمو الاقتصادي من خلال استقطاب الفعاليات والمؤتمرات، ونقل المعرفة والقدرات عبر الاحتكاك اليومي بالكفاءات الافريقية والدولية، الى جانب توسيع افاق اندماج الشركات الوطنية في الأسواق الافريقية وخلق فرص عمل نوعية وتعزيز تنافسية الكفاءات الوطنية في المجالات الاقتصادية والمالية والتجارية.
واعتبرت أن احتضان مركز التميّز الإفريقي للأسواق الشاملة مكسب لبلدنا باعتباره يتيح فرص استثمار جديدة، وتطوير منظومة البحث والتجديد في مجال الاسواق الشاملة، ودعم التعاون بين القطاعين العام والخاص والمنظمات الاقليمية.
كما تطرقت الى فحوى هذه الاتفاقية التي تنظّم تواجد المركز على التراب التونسي بما يضمن له الظروف الملائمة للقيام بعمله على أحسن وجه وفقا للمعاير الدولية والإقليمية . وأبرزت مختلف الامتيازات والحصانات الوظيفية والضمانات التي تنص عليها الاتفاقية وتضمن قيام المؤسسة بعملها باستقلالية وحيادية. وأكّدت أنّ مختلف الأحكام لا تمس من سيادة الدولة التونسية بل تمارس في اطار احترام القوانين الوطنية والالتزامات الدولية لتونس ووفق مبدأ التوازن بين مقتضيات السيادة ومتطلبات التعاون الدولي. واعتبرت أن المصادقة على هذه الاتفاقية تمثل خطوة في مسار دعم تواجد تونس في الساحة الافريقية وتترجم التزامها بمبادئ التضامن والتعاون الافريقيين.
وقدّم السيّد مراد بن حسين، الرئيس المدير العام بمركز النهوض بالصادرات بوزارة التجارة وتنمية الصادرات، مداخلة تناول خلالها الإطار العام والمبرّرات المتعلّقة باحتضان تونس لمقرّ مركز التميز الإفريقي للأسواق الشاملة، مبرزًا أنّ هذا التوجّه يعكس حرص تونس على تعزيز حضورها داخل مؤسسات الاتحاد الإفريقي والاستفادة من عضويتها بما يدعم مكانتها الاقتصادية وأكّد أنّ المركز يُعدّ منصة إفريقية شاملة للتفكير والابتكار والعمل في مجالات التكامل الاقتصادي المندمج وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص وتطوير السياسات وأفضل الممارسات.
كما بيّن أنّ من أهم مهام المركز توسيع نطاق الاندماج المالي من خلال توفير قروض صغرى ميسّرة وبرامج ادخار وحلول بنكية رقمية لفائدة رائدات الأعمال والمؤسسات الصغرى، بما يساهم في سدّ الفجوة التمويلية ودعم الاستثمار وأشار إلى أنّ الدول الإفريقية الأعضاء ستستفيد من خدماته عبر النفاذ إلى الخبرات وأفضل الممارسات في مجال السياسات بما يسرّع تحقيق أهداف التنمية.
واستعرض في ذات السياق الامتيازات التي ستجنيها تونس من احتضان المقر، خاصة الانتفاع ببرامج المركز وتيسير النفاذ إلى آليات التمويل وتعزيز الانخراط في الشبكات الإفريقية، إلى جانب تطوير منظومة البحث والتجديد وإبرام الشراكات، مشيرًا إلى أنّ المركز سيعتمد في عمله على ثلاث ركائز تشمل تحليل أفضل الممارسات، وتيسير اعتمادها عبر التنسيق بين المتدخلين، وتوفير حوافز مالية لتنفيذ البرامج وتجريب الحلول المبتكرة.
وتطرّق السيد طارق بوهلال المدير العام للتعاون الإفريقي بوزارة الاقتصاد والتخطيط في مداخلته إلى الجدوى الاقتصادية لاحتضان تونس لمقرّ مركز التميز الإفريقي للأسواق الشاملة وبيّن أنّ هذا التوجّه يندرج ضمن الاستراتيجية الوطنية الرامية إلى تعزيز انفتاح تونس على محيطها الإفريقي وتدعيم حضورها داخل القارة، بما يتيح تفعيل آليات التمويل الإفريقية وإحداث مصادر تمويل وأسواق بديلة لفائدة الدول الإفريقية في ظل التحديات الاقتصادية العالمية، فضلاً عن الإسهام في تحقيق أجندة الاتحاد الإفريقي 2063 وأهداف التنمية المستدامة. وأضاف أن هذا المركز يمثّل فرصة لدعم تموقع المؤسسات التونسية داخل الأسواق الإفريقية، وتوسيع مجالات الاستثمار والتبادل، وإرساء شراكات استراتيجية، في سياق دولي يتّسم بضرورة تنويع الشراكات الاقتصادية وتعزيز الاندماج ضمن الفضاء الإفريقي.
وذكّر في سياق متصل، بضرورة التسريع في المصادقة على مشروع قانون أساسي يتعلق بالموافقة على الاتفاق المبرم بتاريخ 28 جانفي 2018 بين حكومة الجمهورية التونسية ومفوضية الاتحاد الإفريقي حول مقر معهد الإحصاء للاتحاد الإفريقي، بما سيُمكن من ضمان حسن سير أنشطة هذا المعهد وتسهيل أعماله من خلال توفير الظروف الملائمة لأعوانه وللخبراء التابعين له للقيام بمهامهم على أحسن وجه، إضافة إلى إيفاء بلادنا بتعهداتها الدولية عموما وبصفة خاصة بتعهداتها تجاه الاتحاد الإفريقي.
وخلال النقاش، ثمّن النواب الاستراتيجية الوطنية الرامية إلى توسيع اندماج تونس في محيطها الإفريقي وتعزيز حضورها داخل الفضاء الافريقي. وأكدوا في هذا الإطار أهمية تطوير التمثيلية الدبلوماسية التونسية في القارة الافريقية، وتحسين الجانب اللوجستي، لا سيما في مجالات النقل البري والبحري والجوي، مشيرين إلى ضرورة متابعة تموقع المؤسسات التونسية بالأسواق الإفريقية.
كما تمّ طرح جملة من التساؤلات حول العراقيل التي تواجه الصادرات التونسية نحو إفريقيا، وخطط الدولة لتطوير المنظومة اللوجستية، إلى جانب تحديد القطاعات ذات الأولوية القادرة على دعم هذا التموقع.
وفي سياق متصل، عبّر عدد من النواب عن تحفّظهم بخصوص بعض بنود الاتفاقية، خاصة ما يتعلق برفع الحصانة عن موظفي المركز، وإجراءات إسناد التأشيرات، ومدى انعكاس الامتيازات الممنوحة على السيادة الوطنية، إلى جانب التساؤل حول نسبة تشغيل التونسيين، والكلفة التي ستتحمّلها الدولة، مؤكدين ضرورة ضمان نقل فعلي للمعرفة والثورة. كما تمّ التأكيد على أهمية الإصلاحات الهيكلية للنهوض بالاقتصاد الوطني، خاصة في ما يتعلق بتعزيز التنسيق وزارات التجارية والشؤون الخارجية والتعاون الدولي.
كما شدّد المتدخلون على ضرورة تكثيف العمل على أرض الواقع وتيسير الإجراءات لفائدة المستثمرين الأفارقة، مع تأكيد أهمية التنسيق بين مختلف هياكل الدولة وأعضاء مجلس نواب الشعب، ودعم النواب في جهودهم لاسناد الديبلوماسية الاقتصادية الرسمية، إلى جانب دعم الحضور التونسي في الفضاءات الإفريقية.
وتمّ التأكيد كذلك على أهمية استغلال التظاهرات الاقتصادية كفرص لإقامة شراكات، وتهيئة مناخ الاستثمار. كما أُثيرت تساؤلات حول مدى استفادة تونس من الاتفاقية، وما مدى ارتباط إنشاء المركز بإعطاء الأولوية لمصالح تونس.
وفي تعقيبهم على مداخلات النواب، ذكّر الضيوف بأنّ إسناد مقرات الاتفاقيات يخضع لقواعد الاتحاد الإفريقي، التي تفرض على الدولة المستضيفة توفير المقر، مع الإشارة إلى أنّ التأثير المالي للمركز لم يُحدّد بعد، وأنّ أي تأخير في المصادقة قد يؤدي إلى تأخر الوفاء بالالتزامات، مما يؤثر على صورة تونس وحظوظها في احتضان مؤسسات إفريقية مستقبلًا.
كما تمّ التأكيد على أنّ التمشي المتبع يهدف إلى تقديم تسهيلات لاستقطاب الاستثمارات، وإبراز أهمية قرب المؤسسات المالية من الاقتصاديات الوطنية، والتمتع بالأولوية في النفاذ إلى البرامج والتمويلات المتاحة.
وتمّت الإشارة كذلك إلى أنّه تمّ تكوين لجنة تفاوض استمرت على مدى سنتين، ضمت مختلف الأطراف المتدخلة على رأسهم وزارة التجارة ووزارة الشؤون الخارجية ووزارة الداخلية، حيث تمّ خلال المفاوضات التمسّك بعلوية الدستور التونسي واحترام السيادة الوطنية