نظّمت الأكاديمية البرلمانية لمجلس نواب الشعب اليوم الأربعاء 01 أفريل 2026 يوما دراسيا حول "مقترح قانون أساسي يتعلّق بتنظيم مهنة المستشار الجبائي"، أشرف عليه العميد إبراهيم بودربالة رئيس مجلس نواب الشعب، وحضره نائب رئيس المجلس السيدة سوسن المبروك، والسيد فوزي دعاس رئيس لجنة التشريع العام، وعدد من الخبراء والاطارات من رئاسة الحكومة، وزارتي المالية والعدل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والهيئة الوطنية للمحامين، وهيئة الخبراء المحاسبين بالبلاد التونسية، والمجلس الوطني لعمادة المحاسبين بتونس.
وأكّد رئيس مجلس نواب الشعب في مفتتح الأشغال أهمية المنهج الذي اعتمدته الأكاديمية البرلمانية في تنظيم أيام دراسية لتعميق النّظر في القوانين الأساسية ومقترحات القوانين قبل عرضها على الجلسة العامة، وذلك بالاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية والاستنارة بآرائها، مبيّنا أنّ هدف المشرّع هو التوصّل إلى المصادقة على النص القانوني بعد أن يتشبّع بكل جزئياته ومحتوياته ويكون على بيّنة بكل تبعاته ومدركا للقرار الذي سيتّخذه عند التصويت.
وأضاف أنّ القوانين الصادرة تلزم الدولة وليست رغبة قطاعية، مشدّدا على أهمية إبداء الرأي بكل حرية في فضاء الأكاديمية البرلمانية، بالنّظر الى أنّ المصلحة العليا للوطن هي مسؤولية جماعية تقتضي عملا مشتركا للدفاع عن البلاد واختيار المنهج السليم الذي يجب السير عليه.
من جانبه، أكّد السيد فوزي دعاس رئيس لجنة التشريع العام أهمية هذا اليوم الدراسي الذي يتنزّل في إطار مزيد تعميق النّظر والنقاش حول مقترح قانون المستشار الجبائي الذي تولّت اللجنة دراسته وعيا منها بأهمية تنظيم القطاعات المهنية وضبط اختصاصاتها ومجالات تدخّلها، بما يمكّن من تفادي إشكاليات تنازع الاختصاص. وأكّد ما سيترتب عنه من آثار إيجابية على مستوى تطوير وتعصير منظومة الجباية التي تعد ركيزة من ركائز المالية العمومية ودعامة من دعائم الاقتصاد الوطني.
كما أبرز أهمية مهنة المستشار الجبائي في حياة الأفراد والمؤسّسات باعتبار ها أحد الضمانات الأـساسية التي يجب أن تتوفّر للمطالب بالأداء في دولة القانون والمؤسسات، مضيفا أنها تكمن كذلك في القدرة على المساهمة في إقامة العدل الجبائي وفي اقناع المطالبين بالأداء بالقبول بالضريبة , وبالتالي التصدّي للسمسرة والفساد في المجال الجبائي والمساعدة على جمع الموارد الجبائية للدولة.
وقدّم عرضا عن عمل اللجنة في النظر والتداول بشأن مقترح هذا القانون، مبرزا المقاربة التشاركية التي انتهجتها لتقريب وجهات النظر بين جميع الأطراف المتداخلة ضمن رؤية شمولية مع الاستئناس بالتجارب الفضلى في الغرض.
ثم قدّم السيّد عماد زعير، المدير العام بالإدارة العامة للدراسات والتشريع الجبائي بوزارة المالية، مداخلة أكّد من خلالها أهمية مشاركة الوزارة في أعمال اللجنة، مبيّنًا أنّ رؤيتها بخصوص مقترح القانون تتمحور حول تحسين جودة الخدمات المسداة للمطالبين بالأداء، بما يضمن تمكينهم من القيام بواجباتهم الجبائية في أفضل الظروف، ويضعهم في إطار قانوني سليم يجنّبهم المخاطر الجبائية، مع المحافظة على موارد الدولة. وشدّد على أنّ هذا النص القانوني يرتبط بجملة من النصوص الأخرى، مما يستوجب مراعاة الخريطة التشريعية وضمان التناغم والتناسق بينها. ودعا إلى اعتماد رؤية شاملة ومتكاملة تفاديا لكل غموض أو تضارب. وأبرز في ذات السياق أهمية مرافقة المطالب بالأداء وتمكينه من الإحاطة اللازمة لتسوية وضعيته الجبائية بشكل صحيح، مذكّرا بأن مجلة الحقوق والإجراءات الجبائية تتيح له مجالا واسعا للاستعانة بمن يقدّم له الدعم والمشورة.
ومن جانبه، قدّم السيّد محمد أمين القابسي، القاضي الملحق بديوان وزيرة العدل، مداخلة أكّد فيها أنّ هذا اليوم الدراسي يندرج في إطار مقاربة تشاركية تقوم على تبادل الآراء، في سياق وطني يقتضي تنظيم المهن ذات العلاقة بالمجال الجبائي، مبيّنا حرص وزارة العدل على إرساء إطار قانوني متناسق ينظّم هذه المهنة ويضبط شروط ممارستها وقواعدها الأخلاقية ويعزّز مسؤوليتها المهنية، خاصة أمام ضرورة مواكبة الإطار القانوني الحالي لتطورات المجال الجبائي.
كما قدّم جملة من الملاحظات الشكلية ومن حيث الصياغة، من بينها تكرار بعض المفردات والعبارات والأحكام، والفصول المطوّلة التي تستوجب التبسيط، فضلا عن ضرورة اعتماد تبويب منهجي ييسّر قراءة النص، والتثبت في بعض الإحالات. وأشار الى غياب نسخة فرنسية لمقترح القانون وعدم إرفاقه بوثيقة شرح الأسباب التي توضّح خلفياته وأهدافه. وأكّد من جهة أخرى ضرورة تدقيق الأحكام المنظّمة للمهنة والتنصيص صراحة على خضوع المستشارين الجبائيين إلى هيئة مهنية مختصة، مع مراجعة بعض المسائل التي تستدعي مزيدا من الضبط، على غرار مسألة النيابة لرفع اللبس حولها، وإعادة النّظر في مسألة الاختبارات العدلية باعتبار أنّ صفة الخبير العدلي تخضع لشروط قانونية خاصة ولا تحتمل التوسع غير المبرر، فضلًا عن ضرورة مواءمة الأحكام المتعلقة بالطعن بالتعقيب مع النصوص القانونية النافذة.
وفي ختام مداخلته، جدّد التأكيد على انخراط وزارة العدل في مسار تفاعلي بنّاء مع مختلف المتدخلين، بما يفضي إلى إعداد إطار قانوني ناجع ومتناسق يرتقي إلى المستوى المأمول.
وتطرّق السيّد محمد صالح العياري، الأستاذ الجامعي والمستشار الجبائي وعضو اتحاد خبراء الضرائب العرب، في مداخلته إلى ما يحيط بمهام المستشار الجبائي من لبس، مبيّنًا ضرورة توضيحها ورفع كل غموض بشأنها. واستعرض جملة من الملاحظات بخصوص مقترح القانون، حيث أشار من الناحية الشكلية إلى وجود ازدواجية في بعض الفقرات وتكرار للعبارات، إلى جانب الحاجة إلى مزيد صقل الصياغة وتدقيق المصطلحات المعتمدة.
أمّا من حيث المضمون، فقد تناول مسألة أهلية المستشار الجبائي للدفاع عن حقوق المطالبين بالأداء، وتمثيلهم أمام إدارة الجباية وأمام الدوائر الجبائية المختصة، مؤكّدًا أنّ هذه المهام يدعمها كل من فقه القضاء والفقه الإداري، مستعرضًا في ذلك مختلف المرجعيات القانونية ذات الصلة.
وأكّد أنّ مقترح القانون المتعلّق بتنظيم مهنة المستشار الجبائي من شأنه أن يساهم بصفة فعلية في تمكين المستشارين الجبائيين من إطار مهني منظم يساعدهم على أداء مهامهم في أفضل الظروف، فضلا عن إتاحة الفرصة لخرّيجي المعاهد العليا والكليات في اختصاصي القانون والجباية للانخراط في سلك المستشارين الجبائيين بكل سلاسة.
وأضاف أنّ هذا المقترح من شأنه أيضًا أن يفتح آفاقًا أمام المستشارين الجبائيين الشبان، لا سيما من خلال تمكينهم من فرص التربص بما يعزّز جاهزيتهم المهنية، إلى جانب مزيد تنظيم المهنة بما يدعم دورها في الدفاع عن حقوق المطالبين بالأداء والمؤسسة الاقتصادية في إطار القانون، ويساهم في دعم موارد الدولة الجبائية، خاصة عبر الحدّ من تدخل غير المختصين الذين ساهموا في تفاقم ظاهرة التهرّب الضريبي نتيجة ضعف الإلمام بالتشريع الجبائي.
وفي مداخلته، أوضح السيد رضا الأمين رئيس الغرفة النقابية الوطنية للمستشارين الجبائيين بالإتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، أنّه تزامنا مع مناقشة مقترح القانون المعروض، برزت جملة من التحفظات من قبل ممثلي المحاسبين والخبراء المحاسبين والمحامين إلى جانب ملاحظات صادرة عن جهات حكومية. وفي هذا السياق، أكد أن مقترح القانون لا يمسّ بصلاحيات المحاسبين أو الخبراء المحاسبين، مشددا على أن الاستشارة الجبائية تُعدّ مجالًا قانونيًا مستقلًا لا يدخل ضمن مهام تلك المهن، وفقًا للنصوص القانونية المنظمة لها. كما نفى وجود تعارض مع مهنة المحاماة، معتبرا أن القوانين الخاصة بكل مهنة مستقلة ولا تلغي بعضها البعض.
وأوضح فيما يتعلق بالتحكيم والمجلة الجبائية، أن مقترح القانون لا يتعارض مع النصوص الإجرائية السارية المفعول التي تبقى لها أولوية التطبيق، وأن ما أُثير من إشكاليات يعود إلى الخلط بين القوانين المهنية والإجرائية. كما دافع عن بعض أحكام المقترح على غرار تحديد سنّ أقصى لممارسة المهنة، معتبرا ذلك إجراءً يهدف إلى دعم فرص تشغيل الشباب والحد من تضارب المصالح والفساد خاصة بالنسبة للموظفين السابقين في الإدارة.
وأبرز أن الهدف الأساسي من المشروع هو تحديث الإطار القانوني للمهنة الذي يعود إلى سنة 1960، وذلك بما يتماشى مع المعايير الدولية وتعزيز دور المستشار الجبائي في دعم العدالة الجبائية ومقاومة التهرب والفساد.
وفي ختام مداخلته، دعا إلى ضرورة التمييز بين الاختصاصات المهنية المختلفة، مؤكدا أن الإصلاح المنشود لا يستهدف أي مهنة بل يهدف إلى تطوير المنظومة الجبائية وحماية حقوق المتعاملين معها.
وفي مداخلته، دعا السيد رشاد برقاش المحامي لدى التعقيب وعضو الهيئة الوطنية للمحامين، إلى ضرورة أن تكون القوانين الجديدة متناسقة مع التوجهات العامة للدولة ومنسجمة مع المنظومة التشريعية القائمة. وأشار إلى أن رأي مجلس المنافسة يدعم توجّه توحيد وتجميع المهن ذات العلاقة بالقانون والمحاسبة، معتبرًا أن تشعّب الاختصاصات من شأنه أن يعقّد مناخ الأعمال ويؤثر سلبًا على جاذبية الاستثمار. وفي السياق ذاته، ذكّر بمبادرة وزارة المالية سنة 2015 التي هدفت إلى بلورة رؤية شاملة لمنظومة المحاسبة والتدقيق خاصة للحدّ من تنازع الاختصاصات وتبسيط الإجراءات لفائدة المواطن والمستثمر. وأكد أن مختلف الهياكل المهنية، بما في ذلك المحاسبون والخبراء المحاسبون والمحامون، تتقاسم موقفًا موحدًا يقوم على ضرورة توحيد المهن ذات الصلة، غير أن هذا التوجه لم يحظ بقبول من قبل ممثلي المستشارين الجبائيين.
وأوضح في تقييمه لوضعية المهنة أن المستشار الجبائي يستند أساسًا إلى قانون يعود إلى سنة 1960، في حين تغيب الإشارة إليه في مجلة الحقوق والإجراءات الجبائية، وهو ما يعكس حالة من الغموض في تحديد موقع هذه المهنة خاصة وأنها يمكن أن تُمارس بصفة أصلية أو ثانوية.
ورغم إقراره بضرورة تنظيم المهنة، شدد السيد رشاد برقاش على أن ذلك لا ينبغي أن يتم عبر قانون أساسي منفصل، مقترحًا في المقابل إحداث مجلس مختص في فضّ تنازع الاختصاصات بين المهن في ظل ما وصفه بتزايد حالات التداخل والاعتداء على مجالات العمل.
ومن جهته، عبّر الأستاذ نذير بن يدر عضو مجلس الهيئة، عن تحفظات جدية بخصوص الصيغة الحالية للنص. وأكد أن المقترح في شكله الراهن لا يزال يفتقر إلى النضج الكافي ومعتبرا أن المصادقة عليه قد تؤدي إلى إرباك عمل المحاكم وخلق حالة من الفوضى على مستوى التقاضي. وشدد على ضرورة التمييز بين المهن القضائية، وعلى رأسها مهنة المحاماة، والمهن الفنية، محذرًا من أي تداخل قد يمسّ بجوهر وظيفة الدفاع.
وأوضح أن المقترح يتعارض بشكل مباشر مع المرسوم المنظم لمهنة المحاماة، معتبرًا أن الإشكال لا يتعلق باختلاف في وجهات النظر، بل بتعارض صريح مع التشريعات الجاري بها العمل خاصة فيما يتعلق بإسناد اختصاصات تُعدّ حصرية للمحامي. وأضاف أن احترام التراتبية القانونية يقتضي عدم منح مهنة أخرى صلاحيات تدخل في صميم العمل القانوني للمحامي.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن المادة الجبائية لا تقتصر على الجوانب التقنية أو المحاسبية، بل تقوم أساسًا على تفسير النصوص القانونية وصياغة استراتيجيات الدفاع، ما يجعلها استشارة قانونية بامتياز لا يمكن اختزالها في بعد فني بحت.
وبيّن ممثل الهيئة أن موقف المحامين لا يهدف إلى إسقاط المقترح بقدر ما يسعى إلى تعديله في إطار يحترم الانسجام التشريعي ويحفظ حقوق المتقاضين. كما شدد على أن تنظيم المهن يظل أمرًا ضروريًا، لكنه يجب أن يتم داخل حدود كل مهنة ودون المساس باختصاصات المهن الأخرى.
وخلال الكلمة التي ألقتها، جدّدت السيدة يسرى الشلي نائبة رئيس مجلس هيئة الخبراء المحاسبين بالبلاد التونسية موقف المجلس الرافض قطعيّا لمقترح القانون الأساسي عدد 2023/13 المتعلق بتنظيم مهنة المستشار الجبائي، معتبرة أنّ المشروع في صيغته الحالية يتضمن مغالطات علمية ويكرّس إقصاءً مباشراً لعدد من المهن القانونية المرتبطة بالمجال الجبائي، على غرار الخبراء المحاسبين والمحاسبين والمحامين. وأوضحت أنّ المشروع يتعارض مع القوانين الأساسية المنظمة لهذه المهن، فضلاً عن مخالفته لأحكام الدستور وقواعد المنافسة، إلى جانب افتقاره للمنهجية العلمية والدراسات الاقتصادية اللازمة ومحذّرة من تداعياته السلبية على مناخ الأعمال والسلم الاجتماعي.
وأشارت إلى أنّ هذا المقترح ليس الأول من نوعه، إذ سبق أن طُرح في مناسبات عدة خلال السنوات الماضية، سواء على مستوى المجلس التأسيسي أو رئاسة الحكومة أو وزارة المالية، قبل أن يتم سحبه لنفس الإشكاليات الجوهرية التي ما تزال قائمة إلى اليوم.
وبيّنت أنّ جوهر الإشكال يكمن في الطابع “الإقصائي” للمشروع، حيث يمنح حصرية ممارسة النشاط الجبائي لفئة محدودة مقابل إقصاء آلاف المهنيين الذين يمارسون هذه المهام بشكل قانوني وطبيعي منذ عقود. كما اعتبرت أنّ محاولة الفصل بين المحاسبة والجباية تمثل خللاً جوهرياً، نظراً للترابط الوثيق بين المجالين على المستويين العملي والتشريعي. كما أشارت إلى طريقة تمرير المشروع داخل لجنة التشريع العام، مشيرة إلى أنّه تم اعتماده في وقت قياسي ودون تشاور كافٍ مع الأطراف المهنية المعنية، فضلاً عن غياب الشفافية بخصوص التعديلات المدخلة عليه، وهو ما حال دون دراسته بشكل معمّق.
وحذّرت من التداعيات الاقتصادية الخطيرة للمشروع معتبرة أنّه قد يثقل كاهل المؤسساتخاصة الصغرى والمتوسطة، ويؤثر سلباً على تحصيل الموارد الجبائية، فضلاً عن تهديده لآلاف مواطن الشغل المرتبطة بالأنشطة المحاسبية والقانونية. كما نبهت إلى أنّ تقليص عدد المتدخلين في المجال الجبائي قد يفتح المجال أمام تراجع الشفافية وتفاقم ظواهر التهرب الضريبي.
وفي السياق ذاته، أكدت أنّ التجارب الدولية تكرّس دور الخبراء المحاسبين كفاعلين أساسيين في مجال الاستشارة الجبائية، مشيرة إلى أنّ أغلب الأنظمة المقارنة لا تفصل بين هذه الاختصاصات، بل تدعو إلى تكاملها في إطار حوكمة مالية رشيدة. وختمت موقفها بالتأكيد على ضرورة مراجعة المشروع في إطار مقاربة تشاركية شاملة، تراعي الانسجام التشريعي وتحافظ على توازن المنظومة المهنية بما يخدم المصلحة العامة ويعزز الثقة في النظام الجبائي.
من جهته، قدّم السيد نادر بالحاج فرج رئيس المجلس الوطني لعمادة المحاسبين بتونس، مداخلة حذّر من خلالها من التداعيات الخطيرة لمشروع قانون المستشار الجبائي على القطاع. وإعتبر أن المجلس الوطني لمجمع المحاسبين بالبلاد التونسية سبق له أن عبّر عن رفضه القطعي لمقترح القانون المنظم لمهنة المستشار الجبائي، بإعتبار أنه يتضمن إقصاءً غير مسبوق لمهنة المحاسبة من مجال الخدمات الجبائية وهو ما يتعارض مع القوانين الوطنية والتجارب الدولية.
وأوضح أن التشريعات المقارنة تتيح للمحاسبين ممارسة المهام الجبائية بشكل طبيعي، مشددا على أن المحاسبة تمثل الأساس القانوني لاحتساب الضرائب، وهو ما تؤكده النصوص الجبائية التي تربط وجوبًا بين مسك المحاسبة والتصريح الضريبي.
كما أبرز الترابط الوثيق بين المحاسبة والجباية، سواء من خلال المسؤوليات القانونية المحمولة على المحاسبين، أو عبر دورهم في التدقيق الجبائي وإعداد القوائم المالية المعتمدة من قبل الإدارة الجبائية. وأشار إلى أن المحاسبين يشاركون أيضًا في الهياكل الوطنية المعنية بالسياسات الجبائية ولجان المصالحة فضلًا عن اعتمادهم كخبراء عدليين في النزاعات الجبائية.
وحذر في نفس السياق من إفراد المستشار الجبائي بالمهام الجبائية، معتبرا أنّ ذلك من شأنه إثقال كاهل المؤسسات الاقتصادية، نتيجة تعدد المتدخلين وارتفاع التكاليف، إضافة إلى تشجيع القطاع الموازي وتهديد استمرارية أكثر من 2500 مكتب محاسبة.
كما اعتبر أن المشروع يتجاهل واقع النسيج الاقتصادي التونسي الذي يضم مئات الآلاف من المؤسسات، مقابل عدد محدود من المستشارين الجبائيين وهو ما يطرح إشكاليات عملية في تغطية الحاجيات الجبائية. وفي ختام مداخلته، دعا السيد نادر بالحاج فرج إلى مراجعة شاملة للإصلاحات المقترحة في إطار رؤية تشاركية تضمن تكامل المهن، بدل تكريس الإقصاء، وذلك من أجل الحفاظ على التوازن المهني ومصالح الاقتصاد الوطني.
وخلال النقاش العام، أكد النواب في مداخلاتهم أنّ النظر في مشاريع القوانين، ولا سيما تلك المرتبطة بتنظيم المهن، يُعدّ من صميم مهام الوظيفة التشريعية، مبرزين حساسية المجال الجبائي باعتباره ركيزة أساسية لموارد الدولة وعنصراً مؤثراً بشكل مباشر في الحياة اليومية للمواطن. غير أنّهم سجّلوا في المقابل غياباً لافتاً لمقاربة تتمحور حول مصلحة المواطن مقابل هيمنة خطابات مهنية قطاعية ركّزت أساساً على الدفاع عن مجالات الاختصاص.
وفي هذا الإطار، نوّه عدد من النواب بموقف وزارة العدل التي قدمت مقترحات عملية واتسمت بالحياد، محافظـةً على مسافة واحدة من مختلف المهن، في مقابل انخراط بقية المتدخلين في سجالات مهنية ضيقة لم ترتق إلى مستوى الرهانات الوطنية التي يطرحها المشروع.
وشدد المتدخلون على ضرورة احترام الدور التشريعي بمختلف مراحله وهياكله، مؤكدين أنّ المشرّع مدعوّ إلى تحقيق التوازن بين المصالح المتقاطعة دون الانحياز لأي قطاع، بما يضمن خدمة المصلحة العليا للدولة. كما حذّروا من مخاطر تمرير نصّ في ظل غياب التوافق ومعتبرين أنّ التداخل مع القوانين المنظمة لمهن أخرى من شأنه أن يفرز إشكاليات تطبيقية ويقوّض نجاعته على أرض الواقع.
ودعا النواب إلى فتح حوار جدي ومسؤول بين جميع الأطراف المعنية، بهدف تقريب وجهات النظر وتجاوز نقاط الخلاف، مؤكدين أنّ أي إصلاح تشريعي لا يمكن أن يحقق أهدافه دون حدّ أدنى من التوافق داخل المنظومة المهنية المعنية.
كما أبرزوا أن النقاشات واللقاءات التي تنظّم في الأكاديمية البرلمانية لا يقتصر دورها على عرض المواقف، بل يتعداه إلى تفكيك الجوانب القانونية والتقنية للنصوص المقترحة بما يمكّن النائب من اتخاذ قرارات مبنية على رؤية شاملة تحمي مختلف المهن دون إقصاء وتخدم الصالح العام.
وفي سياق متصل، أقرّ عدد من المتدخلين بوجود مخاوف حقيقية تحيط بالمقترح، خاصة فيما يتعلق بالمناطق الرمادية التي قد يفرزها على مستوى التطبيق، داعين إلى التعاطي معها بجدية وتأنّ، وتفادي التسرّع في المصادقة على نصّ لم يستوف شروط النضج التشريعي والتوافقي. وفي المقابل، شددوا على ضرورة عدم إغفال الهدف الأصلي للمبادرة والمتمثل في تنظيم مهنة المستشار الجبائي وتأطيرها ضمن إطار قانوني واضح.
كما تم التأكيد على أنّ تطوير المنظومة التشريعية يظل رهين مقاربة تشاركية واسعة، تضمن إشراك مختلف الفاعلين والخبراء، خاصة في ظل الطابع الفني والدقيق للمجالات المرتبطة بالجباية. كما أقرّ النواب بأن الإلمام بكافة التفاصيل التقنية يظل تحدياً قائماً مما يستوجب الاستئناس بآراء المختصين لضمان جودة النصوص ونجاعتها.
وفي الختام، بيّنت السيدة سوسن المبروك نائب رئيس مجلس نواب الشعب أنّ الايام الدراسية فرصة ثمينة لتعميق النظر في الجوانب التقنية لمشاريع ومقترحات القوانين المعروضة على أنظار المجلس. وأكّدت أن الاستئناس بآراء الخبراء والمختصين في مختلف المجالات يسمح للمجلس بسنّ قوانين وتشريعات تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات كل القطاعات والمجالات بما يخدم الصالح العام