عقدت لجنة الصحة وشؤون المرأة والأسرة والشؤون الاجتماعية وذوي الإعاقة جلسة يوم الجمعة 10 أفريل 2026 بحضور السادة عز الدين التايب رئيس اللجنة وعبد القادر عمار نائب الرئيس ورؤوف الفقيري المقرر ، وأعضاء اللجنة السادة رياض بلال وأحمد بنور وعبد الجليل الهاني والمنصف معلول والسيدة عواطف الشنيتي ، إلى جانب السيد عادل البوسالمي مساعد رئيس المجلس المكلف بالعلاقات مع الوظيفة القضائية والهيئات الدستورية والوطنية وعدد من النواب من غير أعضاء اللجنة، وذلك للاستماع إلى ممثّلي وزارة الشؤون الاجتماعية بخصوص رؤية الوزارة الخاصة بإصلاح منظومة الضمان الاجتماعي والصعوبات التطبيقية الخاصة بقانون تنظيم عقود الشغل ومنع المناولة.
وخصصت الحصة الصباحية لمناقشة رؤية الوزارة الخاصة بإصلاح منظومة الضمان الاجتماعي، حيث قدم ممثلوها عرضا بيّنوا من خلاله أنّ منظومة الضمان الاجتماعي تحظى بالأولوية في سياسات الدولة بمفهومها الاجتماعي، وان الهدف المنشود هو توسيع مجال التغطية الاجتماعية لتبلغ معدلات تعكس مجهودات الدولة في تكريس الحق في الضمان الاجتماعي لكل مواطن وهو حق مكفول في الدستور والاتفاقيات الدولية في هذا المجال.
كما تم التأكيد على أنّ اصلاح منظومة الضمان الاجتماعي تعتمد على ثلاثة أهداف استراتيجية تتمثّل في العمل على تطوير نسب التغطية وتطوير الخدمات المسداة إلى جانب ضمان استدامة الأنظمة والمحافظة على توازناتها المالية.
وأوضحوا أنّ الصعوبات التي تعرفها الصناديق الاجتماعية يمكن تفسيرها بالعديد من العوامل أهمها تغيّر المؤشرات الديمغرافية وتطور حجم القطاع غير المنظم وتنامي ظاهرة التهرب والغش الاجتماعي إضافة الى الارتفاع المشط في كلفة الخدمات الصحية خاصة فيما يتعلق بالأدوية الخصوصية التي يقع توريدها من الخارج في مقابل تراجع سعر الدينار التونسي، كما أنّ محدودية الاهتمام بالجانب الوقائي الصحي قد ساهم في ارتفاع كلفة العلاج، وهو ما أثر سلبا على موازنات الصناديق.
وبيّنوا أنّ مقاربة إعادة الهيكلة تقوم على اختيار الحلول الأسرع والأنجع والأقل تكلفة والأكثر مرونة، وتتمثل محاورها في إعادة هيكلة الأنظمة وهياكل التصرف والهياكل المعنية بالتمويل مع استكمال الإطار التشريعي المتلائم مع المواثيق الدولية.
أما عن الحلول المقترحة لتجاوز الصعوبات، فإنّ الوزارة بصدد استكمال جملة من الدراسات التي ترتكز على اقتراح عدة فرضيات ودراسة نجاعتها ونسبة المخاطر التي قد تنجم عنها، ومن ضمن تلك الفرضيات إمكانية توحيد الانظمة في هيكل واحد أو المحافظة الهندسة الحالية مع إدخال إصلاحات عليها و إمكانية خلق منافذ بينها حسب طبيعة الخدمة المسداة ، وهي خيارات ممكنة تخضع للتقييم العلمي من حيث الامكانية والجدوى والمخاطر، مع ضرورة العمل بالتوازي على حوكمة التصرف في الصناديق و تطوير منظومة المراقبة، وإعطاء الأولوية لاستخلاص الديون مع المحافظة على ديمومة المؤسسة ومواطن الشغل، وتعزيز الرقمنة والعمل على استقطاب القطاع غير المنظم باعتماد مقاربات مرنة تستجيب الى خصوصيات الفئات المعنية واعتماد صيغ مساهمة تتلائم مع طبيعة الدخل غير المنتظم.
وفي تفاعلهم مع هذا العرض، أفاد النواب أنّه يجب ان تقدم وزارة الشؤون الاجتماعية رؤية إصلاحية واضحة تعتمد أرقاما دقيقة ومؤشرات تشخّص وضعية الصناديق بكل شفافية والتأثيرات المالية لمختلف الفرضيات ، مذكرين ان رئيس الجمهورية اكد أن معالجة منظومة الضمان الاجتماعي لا يمكن ان تكون ظرفية او جزئية بل تستوجب اعتماد تصور جديد ، بما يتطلب التقييم الناجع والبنّاء لمختلف أوجه منظومة الضمان الاجتماعي من خلال تقييم مخرجات أعمال التفقد ومصادر التمويل ونسب المساهمات . كما تم التأكيد ان المقاربة التي ستعتمدها الوزارة لابد أن تكون تشاركية وذات صبغة مجتمعية باعتبارها خيارا وطنيا.
وشدد النواب على أن العمل على إيجاد حلول جذرية وإصلاحات هيكلية حقيقية لمنظومة الضمان الاجتماعي لا يتسنى دون تعاون فعّال وبنّاء مع ممثلي وزارة الشؤون الاجتماعية، من خلال تقديم المعطيات الإحصائية الخاصة بالمبالغ المالية المحوّلة من صندوق التأمين على المرض لفائدة المؤسسات الخاصة للصحة في إطار التكفل بمصاريف العلاج ، وقائمة المبالغ المحوّلة من الصندوق المذكور لفائدة جميع أطباء القطاع الخاص في إطار منظومة طبيب العائلة، إضافة إلى قائمة التحويلات المالية لفائدة الصيدليات الخاصة في إطار التكفل بالأدوية، وعدد مطالب التكفل بالعلاج مع نسخة من تقارير المجلس الوطني للتأمين حتى يتسنّى تقييم منظومة التأمين على المرض وتشخيص والوضعية المالية للصناديق بكل شفافية .وهي موضوع سؤال كتابي لم تجب عليه الوزارة الى حين عقد هذه الجلسة. وطالبوا في ذات السياق بنشر الموازنات المالية وتقارير مراقب الحسابات للثلاث سنوات الفارطة. كما استنكر المتدخلون عدم حضور وزير الشؤون الاجتماعية هذه الجلسة التي تعدّ فرصة هامة للتعاون بين الوظيفتين التشريعية والتنفيذية من أجل إصلاح المنظومة الاجتماعية.
وبيّن عدد من النواب أنّ الوضع الحالي يمكن تشخيصه في العجز السنوي للصناديق بقيمة تتراوح بين 2 و3 مليار دينارا وبلوغ عدد المنخرطين 2.3 مليون في حين يبلغ عدد المتقاعدين 1.2 مليون، أما نسبة التغطية الاجتماعية فهي في حدود 60 % فقط من الفئة النشيطة، وان حجم الاقتصاد الموازي يتراوح ما بين 30% و 40 % من جملة الاقتصاد، داعين إلى اعتماد مقاربة إصلاحية لا تقتصر على الجانب التقني باعتبارها ضرورة وطنية من أهم مقومات استقرار الدولة الاجتماعية.
وشدد النواب كذلك على ضرورة ان تكون المقاربات الإصلاحية مختلفة عما وقع اعتماده سابقا حتى لا تتكرر نفس الأخطاء ، ولذلك يتجه تشريك مختلف الأطراف الفاعلة في المنظومة الاجتماعية على غرار الخبراء والمنظمات الوطنية ومراكز الدراسات الاستراتيجية. واقترح البعض إحداث هيئة خاصة داخل الوزارة تشرف على التنسيق بين مختلف الأطراف المتداخلة من أجل بلورة رؤية واضحة المعالم لإصلاح منظومة الضمان الاجتماعي.
وفي سياق آخر، بيّن جانب من النواب ان الوضعية المالية التي تمرّ بها الصناديق الاجتماعية هي نتاج واقع اقتصادي صعب على الصعيد الوطني والدولي، مؤكدين ضرورة ان تكون الحلول تشاركية وتتضافر فيها مختلف الجهود، وأنّ الحلول الظرفية مثل الترفيع في سن التقاعد لا يمكنها أن تؤدي إلى نتائج إيجابية تحافظ على ديمومة الخدمات المسداة من طرف الصناديق على المدى الطويل.
وفي تعقيبهم على جملة مداخلات النواب، ثمن ممثلو الوزارة ما ورد من مقترحات ، معبّرين عن استعدادهم للتفاعل الإيجابي معها. مؤكدين ان الوزارة قدمت في هذه الجلسة رؤية عامة للإصلاح وان التوجهات العامة في المجال الاجتماعي ومقاربات التشغيل في القطاعين العام والخاص ترسمها السياسات العامة للدولة وهي تنعكس بالضرورة على فرضيات اصلاح منظومة الضمان الاجتماعي، إضافة الى ان الوضع الاقتصادي الوطني والعالمي يؤثر بالضرورة على الخيارات الاجتماعية. كما شدد ممثلو الوزارة ان النظام التوزيعي التضامني الذي تعتمده بلادنا ونظام حماية الفئات الاجتماعية الهشة مكسب وطني على مر الأجيال لا يمكن التخلي عنه.
وخلال الحصة المسائية، تمّ التداول إلى التداول مع ممثّلي الوزارة بخصوص تقييم مخرجات قانون تنظيم عقود الشغل ومنع المناولة والصعوبات التطبيقية لأحكامه، حيث أكد الضيوف أنّ الوزارة تتابع منذ إصدار القانون المذكور، من حيث تطبيق أحكامه الخاصة بترسيم الأعوان، وتراقب كذلك مدى التزام المؤجرين بمبدإ المساواة في التأجير بين الأعوان من نفس التصنيف المهني، وقد أثمرت الجهود المبذولة من طرف مختلف المتدخلين في الوزارة من أجل إنفاذ أحكام هذا القانون إلى ترسيم ما يقارب 100 ألف عونا في انتظار إيجاد الحلول الملائمة لبعض الوضعيات العالقة خاصة في القطاع العام.
ودعا ممثلو الوزارة في هذا الإطار إلى تعزيز سلك متفقدي الشغل بالنظر للمهام الرقابية المناطة بعهدتهم، إضافة إلى تدخلاتهم اليومية في فض النزاعات بالطريقة الصلحية في مقابل ضعف الإمكانيات اللوجستية الموضوعة على ذمتهم. كما دعوا إلى ضرورة إعادة النظر في بعض العقوبات المالية الزهيدة جدا الخاصة ببعض المخالفات في علاقة بتطبيق أحكام مجلة الشغل، مما جعل الفرق واضح بين تلك العقوبات والعقوبات المشددة في مجال منع المناولة ومخالفة القواعد الجديدة بتنظيم عقود الشغل.
وفي مداخلاتهم تعرض النواب الحاضرون الى عديد الوضعيات التي لم يتمّ حلها رغم إعلام مصالح الوزارة بذلك، مبيّنين أنّ أعضاء مجلس نواب الشعب، في نظر العملة، مسؤولون بدرجة أولى على حسن تطبيق أحكام هذا القانون. كما أوضح النواب أنهم بصدد متابعة الملفات الخاصة بعدم ترسيم بعض أعوان المناولة وعدم تسوية بعض وضعيات المتعاقدين خاصة في عديد المؤسسات العمومية، مستشهدين بعدة أمثلة في هذا الإطار، ومطالبين بضرورة أن تقع برمجة جلسات عمل بين كل من وزير الشؤون الاجتماعية والوزراء المعنيين بمختلف هاته القطاعات لإيجاد الحلول المناسبة.
واكد عدد من المتدخلين بأنّ القانون يبقى قانونا ثوريا بامتياز، وأنّ الإشكاليات التي يعرفها في التطبيق هي إشكاليات خاصة بعدم رغبة بعض المؤجرين في تطبيق أحكامه على الوجه الأمثل، ولكن ذلك لا يمنع، بتوفر الإرادة السياسية الرامية إلى إرساء مقومات الدولة الاجتماعية وتحقيق ثورة تشريعية تقطع نهائيا مع الماضي.
وعبر ممثلو الوزارة من جهتهم على استعدادهم للتفاعل الإيجابي مع النواب من أجل إنجاح هذا القانون، مثمّنين الدور الهام لممثلي الوظيفة التشريعية في إعلامهم بالاخلالات التي يتسنى لهم الاطلاع عليها، كما أكدوا أن المصالح تقوم بدورها الرقابي على أحسن وجه ، وأنّ الوزارة لم تدّخر أيّ جهد في الاتصال، عن طريق المراسلات، بمختلف الأطراف المسؤولة على تنفيذ أحكام هذا القانون، كما لم تدخر أي مجهود في تفسير أحكامه وإيجاد الحلول القانونية لمختلف الاستشارات الواردة عليها من مختلف الهياكل العمومية والمؤسسات الخاصة. وأضافوا أنّ وجود بعض الإشكاليات التي يمكن التعاون من أجل حلها، لا يمنع من الاعتزاز بهذا القانون الذي يعدّ من أهم المكاسب الوطنية.
وفي ختام الجلسة جدّد أعضاء اللجنة استعدادهم للعمل على بناء تصورات جديدة لإصلاح منظومة الضمان الاجتماعي وتجاوز الصعوبات العملية في تطبيق قانون تنظيم عقود الشغل ومنع المناولة، وتثبيت أسس الدولة الاجتماعية، مع الدعوة الى ضرورة تشريك الوظيفة التشريعية في مختلف الورشات العملية التي تنظمها الوزارة في إطار بلورة رؤيتها واستراتيجيتها في المجال الاجتماعي، مع التعهد بتنظيم جلسات أخرى مع ممثّلي الوزارة لتقديم رؤية متقدمة تعتمد مقاييس علمية واضحة حول فرضيات اصلاح منظومة الضمان الاجتماعي