لجنة المالية والميزانية تعقد جلسة استماع حول مقترحي قانونين

عقدت لجنة المالية والميزانية يوم الاثنين 23 فيفري 2026 جلسة مشتركة مع لجنة تنظيم الإدارة وتطويرها والرقمنة والحوكمة ومكافحة الفساد استمعت خلالها إلى جهة المبادرة التشريعية حول مقترح قانون يتعلّق بتمديد آجال الامتثال للواجبات الخاصة بالفوترة الالكترونية. وحضر الجلسة عن لجنة المالية والميزانية رئيس اللجنة السيد ماهر الكتاري ونائب الرئيس السيد ظافر الصغيري والمقررة السيدة زينة جيب الله والأعضاء السيدين فاضل بن تركية وعصام شوشان والسيدة آمال المؤدب، كما حضرها عن لجنة تنظيم الإدارة وتطويرها والرقمنة والحوكمة ومكافحة الفساد السيد سامي رايس رئيس اللجنة والسيد مراد الخزامي نائب الرئيس والسيد عماد الدين السديري المقرر وعضوي اللجنة السيد صابر المصمودي والسيدة فاتن النصيبي وعدد من النواب من غير أعضاء اللجنتين.
وأكّد ممثلو جهة المبادرة أنّ الهدف من مقترح القانون لا يتمثل في التراجع عن خيار الرقمنة أو التشكيك في جدوى الفوترة الإلكترونية، بل في تدارك الصعوبات العملية والتقنية التي تعترض التطبيق الفوري والإلزامي للمنظومة في صيغتها الحالية. وأوضحوا أن تعميم الفوترة الإلكترونية يقتضي جاهزية لوجستية وتقنية متكاملة تشمل البنية التحتية الرقمية، وأنظمة التأمين السيبرني، وآليات التحقق من الهوية الرقمية، فضلا عن تمكين مختلف المتدخلين، وخاصة المؤسسات الصغرى والمتوسطة وأصحاب المهن الصغرى، من الوسائل التقنية والموارد البشرية الكفيلة بالامتثال للواجبات الجديدة. كما بيّنوا أنّ حجم المعاملات السنوية الخاضعة للفوترة الإلكترونية يناهز مئات الملايين من الفواتير، وهو ما يستوجب منظومة معلوماتية عالية القدرة على المعالجة والتخزين والتأمين، بما يضمن حماية المعطيات الشخصية والمهنية ومنع أي اختلال أو إخلال بسرية المعلومات.
وبيّنت جهة المبادرة أن عددا هاما من المتعاملين الاقتصاديين لا يزال يواجه صعوبات في الولوج إلى خدمات الإمضاء الإلكتروني والحصول على المفاتيح الرقمية واستكمال إجراءات التسجيل، وهو ما قد يؤدّي إلى اضطرابات في النشاط الاقتصادي في حال فرض التطبيق الفوري دون مرحلة انتقالية واضحة. وأكّدوا أنه إثر جلسات الاستماع، تبيّن أن تطبيق الفصل 53 من قانون المالية لسنة 2026 في الظرف الحالي يواجه صعوبات تقنية ولوجستية، باعتبار أن المنظومة مطالبة بمعالجة ما يفوق 400 مليون فاتورة، في حين يتجاوز عدد الشركات المسجلة بالسجل الوطني للمؤسسات 800 ألف شركة، وهو ما يقتضي توفير منظومة قادرة على حماية جميع المعطيات ذات الصلة.
وأكّدت في هذا السياق أن المقترح يرمي إلى إرساء مقاربة تدريجية واقعية، تقوم على توفير الشروط التقنية والتنظيمية المسبقة، وضمان مرافقة المؤسسات في مسار الانتقال الرقمي، بما يحقق التوازن بين تحديث الإدارة الجبائية وتعزيز الشفافية من جهة، وضمان الاستقرار القانوني وحماية ديمومة النشاط الاقتصادي من جهة أخرى.
وخلال النقاش، شدّد عدد من النواب على ضرورة التثبت من مدى جاهزية المنظومات التقنية المعتمدة، وضمان وضوح الإطار القانوني المنظم للمرحلة الانتقالية، مع تأكيد أهمية تكافؤ الفرص بين المؤسسات التي انخرطت فعليا في المنظومة وتلك التي لا تزال تواجه صعوبات موضوعية في الامتثال.
كما بيّن عدد من المتدخلين أن هذا الفصل لم يحظَ بالحيز الكافي من الدرس، بالنظر إلى الطابع الماراتوني للنظر في مشروع ميزانية الدولة ومشروع قانون المالية، مضيفين أن وزارة المالية أكّدت خلال مناقشة الفصل جاهزيتها التامة لتطبيقه. في المقابل، أكد نواب آخرون على أنّ إصدار مثل هذه القوانين يقتضي التثبّت المسبق من توفر شروط التنفيذ المادي والتقني وضمان قابلية التطبيق الواقعي قبل المصادقة عليها، حفاظاً على الاستقرار التشريعي والأمن القانوني.
وأشار النواب إلى أن العمل بالفوترة الإلكترونية انطلق منذ سنة 2016، كما أن شبكة تونس للتجارة تطبق هذا النظام منذ سنوات لفائدة الشركات الناشطة في مجال التجارة الخارجية، وهو ما يؤكّد إمكانية التطبيق، مع تحميل السلطة التنفيذية مسؤولية استكمال الجاهزية التقنية والتنظيمية.
ودعوا إلى اعتماد مقاربة تدريجية واضحة لتفادي الإرباك، بدل الإلغاء الكلي، مع ضرورة مطالبة الحكومة بمدّ المشرّع بملامح النصوص الترتيبية ودراسة جدوى قبل المصادقة النهائية، إضافة إلى تقديم قائمة بالقوانين غير المطبقة أو التي لم تصدر أوامرها التطبيقية إلى حد الآن، وتوضيح القطاعات التي رفضت الانخراط في الفوترة الإلكترونية.
وفي المقابل، اعتبر بعض المتدخلين أن مراجعة الإجراء وتأجيله قد تكون خطوة أفضل من مواصلة تطبيقه إذا ثبت وجود إخلالات، مؤكدين أهمية اعتماد آليات تحفيز وتشجيع للمؤسسات المنخرطة في الرقمنة، عبر إقرار امتيازات لفائدتها، عوض الاقتصار على العقوبات.
وفي ردودهم، أكّد المتدخلون ضرورة إيجاد سند قانوني واضح يبرّر عدم تسليط العقوبات في المرحلة الحالية، تفادياً لأي فراغ قانوني أو تضارب في التطبيق. وأوضحوا أن الأجهزة الرقابية غير مستعدة حاليا لمتابعة ومراقبة حسن تطبيق الإجراء، وهو ما قد ينعكس سلباً على نجاعته وعلى مبدأ المساواة بين المطالبين به. وأشاروا إلى أن توسيع مجال تطبيق الفوترة الإلكترونية لن يترتب عنه معاليم إضافية مباشرة لفائدة موارد الدولة، مما يطرح تساؤلات حول الجدوى المالية الفورية للإجراء.
وفي الختام عبرت جهة المبادرة عن استعدادها للتفاعل مع مختلف المقترحات ، ودمج المقترح الحالي مع المقترح السابق في إطار رؤية موحّدة.
وواصلت لجنة المالية والميزانية اشغالها بالاستماع إلى جهة المبادرة حول مقترح قانون يتعلّق بمجلة الصرف.
وفي مستهل عرضها، أكدت جهة المبادرة، أن التشريع الحالي المنظم للصرف، الصادر سنة 1976، لم يعد يستجيب للتحولات الهيكلية التي عرفها الاقتصاد الوطني والعالمي، وأن فلسفته القائمة على الحظر والترخيص المسبق والرقابة المركزية المشدّدة أصبحت متجاوزة في ظل اقتصاد منفتح ومتداخل مع المنظومات المالية الدولية. وبيّنت أن هذا القانون وُضع في سياق اتسم بندرة الموارد بالعملة الأجنبية وهيمنة الدولة على المبادلات، وهو ما أفرز إطاراً يقوم على التضييق والضبط الوقائي الشامل.
وقدّمت جهة المبادرة مقارنة مفصلة بين الإطار القائم والمشروع المقترح، موضحة أن مجلة الصرف الجديدة تقوم على نقلة نوعية في الفلسفة القانونية، من خلال المرور من منطق المنع والترخيص إلى منطق الحرية المنظمة والمسؤولية، وذلك من خلال اقتراح تصور يقوم على القطع التدريجي مع المنظومة السابقة القائمة أساساً على التراخيص المسبقة وتعدّد الإجراءات الإدارية، والتوجّه نحو تكريس مبدأ الحرية المراقَبة عبر تعزيز الرقابة البعدية وتبسيط مسار إنجاز العمليات المالية، بما يسمح بتسريع المبادلات وتخفيف الأعباء الإجرائية على المتعاملين الاقتصاديين ، وتوجيه الجهد الرقابي نحو العمليات ذات المخاطر الحقيقية، بما يعزز النجاعة والشفافية في آن واحد.
وفي سياق متصل بينت أن مقترح القانون لا يقتصر على تعديل بعض الأحكام، بل يؤسس لمنظومة جديدة تتلاءم مع الاقتصاد الرقمي، من خلال تنظيم أوضح لفتح الحسابات بالعملة، وتحيين تعريف صفة المقيم وغير المقيم، وإرساء قواعد أكثر مرونة للتحويلات المرتبطة بالنشاط الاقتصادي المشروع. كما يتيح المشروع إدماج المداخيل المتأتية من الأنشطة الرقمية والعمل عن بُعد والتعامل عبر المنصات الدولية ضمن الإطار القانوني الرسمي، بما يقلص من اللجوء إلى مسالك غير منظمة.
وأوضحت جهة المبادرة أن بروز النقود والأصول الرقمية وتوسع وسائل الدفع الإلكترونية يفرضان إطاراً تشريعياً حديثاً يؤطر هذه المعاملات ويُخضعها لقواعد الامتثال والحوكمة، عوض بقائها خارج التنظيم القانوني. خاصة و أن الجيل الجديد من رواد الأعمال يعتمد في مشاريعه على معاملات رقمية عابرة للحدود، وهو ما يستوجب تشريعاً مرناً يواكب الابتكار ويضمن في الوقت ذاته حماية الاستقرار المالي ومكافحة الجرائم المالية.
كما بيّنت أن من أبرز أهداف مجلة الصرف الجديدة تعزيز إدماج مختلف الفاعلين الاقتصاديين في الدورة المالية الرسمية، سواء من التونسيين بالخارج أو من المؤسسات الناشئة أو من أصحاب الأنشطة الرقمية، بما يوسع القاعدة الاقتصادية المنظمة ويحدّ من الاقتصاد الموازي، ويسهم في تحسين تعبئة الموارد ودعم الثقة في المنظومة المالية.
وأكدت أن تحديث تشريع الصرف يندرج ضمن رؤية أشمل لإرساء منظومة تشريعية متكاملة ومحفزة للاستثمار، في تناغم مع مشاريع قوانين أخرى تتعلق بمناخ الأعمال، بما يكرس بيئة قانونية واضحة ومستقرة، قادرة على جذب الاستثمار ودفع النمو وتعزيز اندماج الاقتصاد الوطني في محيطه الإقليمي والدولي.
وخلال النقاش اعتبر النواب أنّ عرض مشروع قانون شامل لمجال الصرف أمام لجنة المالية والميزانية يمثّل حدثا تشريعيا طال انتظاره، بالنظر إلى ما يكتسيه هذا المجال من أهمية في دعم الإقلاع الاقتصادي وتوفير بيئة تشريعية حديثة ومتناسقة قادرة على مواكبة متطلبات الاقتصاد المنفتح وتحقق جاذبية الاستثمار.
وأكّد النواب أهمية الموازنة بين متطلبات التحرير الاقتصادي وضمان سلامة التوازنات المالية، مع التشديد على ضرورة توفير الآليات الرقابية الكفيلة بحسن تطبيق الإصلاحات المقترحة.
وأجمع عدد من المتدخلين على أنّ إصلاح مجال الصرف يمثّل ركيزة أساسية ضمن حزمة الإصلاحات الاقتصادية المنتظرة، باعتباره مدخلاً لتوفير نصوص تشريعية متكاملة تدعم الاستثمار وتيسّر حركة رؤوس الأموال وتُسهم في الإنعاش الاقتصادي، مع التأكيد على ضرورة أن يتمّ هذا الإصلاح بصورة تدريجية ومدروسة تضمن وضوح الرؤية للمتعاملين الاقتصاديين وتحافظ على التوازنات المالية للدولة.
كما تمّت الإشارة إلى أنّ طول آجال الحصول على التراخيص وتعقّد الإجراءات يحدّ من مرونة الدورة المالية ويؤثّر على مناخ الأعمال، وهو ما يبرز الحاجة إلى مراجعة المنظومة القانونية بما يضمن تحقيق توازن بين تسهيل العمليات المالية من جهة، والمحافظة على الاستقرار النقدي ومكافحة المخاطر المالية من جهة أخرى.
وفي تفاعلها أكدت جهة المبادرة أن مقترح القانون يهدف إلى جعل الإطار التشريعي للصرف أكثر استجابة للوضعية الاقتصادية الراهنة وداعماً لنسق الانفتاح الاقتصادي.
وتمّ التأكيد في ختام الأشغال على أهمية مواصلة النظر وعقد سلسلة من الاجتماعات. إلى كل الجهات والأطراف المتدخلة

الملفات المرفقة :

مقالات أخرى