في إطار دراستها لخمسة مشاريع قوانين تتعلق بالموافقة على اتفاقيات لزمات إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة، عقدت لجنة الصناعة والتجارة والثروات الطبيعية والطاقة والبيئة جلستين يوم الخميس 02 أفريل 2026 استمعت في حصتها الصباحية إلى خبراء ممثلين عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في مجال الانتقال الطاقي ومناخ الاستثمار في الطاقات المتجددة، وفي الحصة المسائية إلى ممثلين عن عمادة المهندسين التونسيين، وذلك برئاسة السيد محمد أمين المباركي وبحضور السيد عدنان العلوش نائب الرئيس والسيد محمد علي فنيرة المقرر ، والسيدة مهى عامر والسيد عصام البحري جابري عضوي اللجنة إضافة إلى عدد من النواب من غير أعضاء اللجنة.
واشار الخبراء ممثّلو وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إلى بعض الأرقام الواردة في تقرير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة فيما يخص تونس والمبني على بيانات لسنة 2024، وأوضحوا أن تونس تمتلك حاليا حوالي 1086 ميغاواط من الطاقات المتجددة تمثّل 15% من القدرة المركبة و6% من الإنتاج. وأكّدوا أن التوجه إلى خيار الطاقات المتجددة أصبح ضرورة حتمية وخيارا استراتيجيا من أجل السيادة الطاقية، وخاصة في إطار اعتماد تقنية تحويل ضوء الشمس المباشر إلى طاقة كهربائية، وهي الأكثر ملاءمة لثرواتنا الطبيعية وللظروف المناخية لبلادنا إضافة لملاءمتها لإمكانياتنا العلمية والبحثية من خلال توفر عديد البحوث والتجارب في هذا المجال على مستوى المخابر ومراكز البحوث.
وتطرّقوا في إشارة إلى الصبغة الفلاحية لمنطقتي سقدود ومنزل الحبيب إلى ضرورة وجود دراسة بيئية ودراسة جيولوجية لكل مشروع من المشاريع الخمسة المعروضة على أنظار اللجنة تأخذ بعين الاعتبار المقبولية المجتمعية ومدى تأثير هذه المشاريع على خصوصية المناطق المعنية بها خاصة إذا كانت منطلقا لمشاريع أخرى في إطار توسعة عملية الاستثمار في المستقبل. وثمّنوا إقامة هذه اللزمات الخمس في مناطق تمتاز بإشعاع شمسي جيّد لوجودها في الجنوب التونسي. وأشاروا إلى أن 70% من مشاريع الطاقات المتجددة في العالم من الطاقة الفولطاضوئية، و20% منها من طاقة الرياح.
كما شدّدوا على ضرورة التسريع في إنجاز الخمسة مشاريع المعروضة والتي ستعطي 600 ميغاواط والتي تمثل 5.11% من المزيج الطاقي أي سننتقل من 11% إلى 16% من جملة 35% من المزيج الطاقي المبرمجة سنة 2030.
وأشاروا من ناحية أخرى إلى بعض التحفظات المتعلقة بطريقة حساب كمية الكهرباء المنتجة من خلال هذه المشاريع والمضمنة بوثيقة شرح الأسباب. كما حذّروا من انعكاس ذلك على بقية المعطيات المتعلّقة بحجم الكمية الموردة من الغاز ومصاريف الإنتاج من العملة الصعبة. ودعوا إلى ضرورة مشاركة الكفاءات التونسية من خبراء في مجال الطاقات المتجددة في إعداد كراسات الشروط المتعلقة بمثل هذه المشاريع.
وتطرّقوا إلى مدة لزمة انتاج الكهرباء، مشيرين إلى ضرورة تقليص هذه المدة في المشاريع المستقبلية على ألا تتجاوز 20 سنة حتى يبقى للدولة التونسية بعد انتهاء مدة اللزمة المجال لمواصلة استغلال هذه المحطات الفولطاضوئية.
ومن جانبهم أشار النواب إلى أهمية الاستماع إلى خبراء ممثلين عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي اعتبارا للدور المحوري الذي تضطلع به مؤسسات البحث العلمي والجامعات والمخابر المتخصصة في مواكبة التحولات الطاقية وتطوير الحلول التكنولوجية وتثمين الكفاءات الوطنية في هذا المجال الاستراتيجي. وأكّدوا أن الانتقال نحو الطاقة المتجددة لم يعد خيارا فحسب بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها رهانات الأمن الطاقي ومتطلبات التنمية الاقتصادية مما يقتضي الاستنارة بالرأي العلمي والفني خاصة فيما يتعلق بمدى جاهزية المنظومة الوطنية للبحث والتكوين لمواكبة هذه المشاريع ومدى انعكاسها على البحث العلمي وتكوين الموارد البشرية المختصة.
ودعا بعض النواب إلى ضرورة إيجاد الحلول القانونية وخلق الفرص لمشاركة المستثمر التونسي إلى جانب المستثمر الأجنبي في لزمات انتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة وضمان انتقال المعرفة وتوفير الإمكانات اللازمة للمؤسسات التونسية للمشاركة في لزمات إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة. وشدّدوا على ضرورة تفعيل مشاركة القطاع العام والخاص في مثل هذه المشاريع.
وفي تفاعلهم مع تدخلات النواب أوضح ممثلو وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أن التسريع نحو التحوّل الطاقي الإيكولوجي هو خيار عالمي انخرطت فيه تونس خلال اتفاق باريس للمناخ. وأكّدوا ضرورة اعتماد كل الأنظمة المتاحة في مجال الطاقات المتجدة كنظام الإنتاج الذاتي ونظام الترخيص ونظام اللزمات، إضافة إلى مواصلة الاستثمار والبحث والاستكشاف في الطاقة الأحفورية بالتوازي مع تدعيم مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في كل المجالات على غرار محطات التطهير التابعة للديوان الوطني للتطهير واعتماد الحوكمة وترشيد الاستهلاك في كل الموارد المائية التي تستهلك الطاقة.
وفي خلال جلسة الاستماع المسائية، شدّد ممثلو عمادة المهندسين التونسيين على ضرورة تحقيق النجاعة المطلوبة من خلال تطوير مرونة المنظومة الكهربائية وهي قدرة الشبكة على التكيّف مع التغيرات في الإنتاج والاستهلاك. وأكّدوا ضرورة تطوير التخزين وتحسين التحكم في الشبكة وإدارة الطلب بطريقة أكثر نجاعة. وأشاروا إلى أن تحقيق التوازن بين استقرار الشبكة وتقليص الانبعاثات لا يكون عبر الاعتماد على مصدر واحد للطاقة بل يجب تطوير مزيج طاقي متوازن يشمل الطاقات المتجددة والمحطات التقليدية المرنة والتخزين إلى جانب الربط الكهربائي مع الدول الأخرى. كما دعوا إلى التسريع في إنجاز المشاريع المعروضة بالتوازي مع السعي إلى مزيد تطوير المنظومة الوطنية. وأشاروا إلى أن السيادة الطاقية لا تعني فقط إنتاج الكهرباء بقدر ما تعني التحكم في كامل المنظومة الكهربائية بما يشمل الشبكة والتخزين والتسيير، كما يتطلب رؤية واضحة وتخطيط محكم.
كما تطرّقوا إلى أهمية البعد الرقمي في مجال انتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة حيث لم تعد المحطات الطاقية الحديثة مجرد منشآت إنتاج بل أصبحت أنظمة رقمية متكاملة تضم أنظمة تحكم صناعي (SCADA) وأجهزة استشعار متصلة ومنصات مراقبة عن بعد وتدفقات بيانات لحظية وحساسة. وأكّدوا أن من يتحكم في البيانات يتحكم في الطاقة.
وأكّد النواب في مداخلاتهم أن هذه المشاريع تكتسي أهمية وطنية كبرى بالنظر إلى ارتباطها بمسائل استراتيجية تمس الأمن الطاقي، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الاستثمار في الطاقات المتجددة. وأكّدوا ضرورة الاستماع إلى مختلف الأطراف والهياكل الوطنية ذات العلاقة بما يضمن مقاربة شاملة ودقيقة تقدّم رؤية واضحة للجوانب التقنية لهذه المشاريع، خاصة من الناحية الفنية والهندسية والتكنولوجية التي يمتلكها المهندسون في هذا المجال والتعويل على خبرتهم المهنية والفنية والوقوف على مدى جاهزية بلادنا لإنجاح مثل هذه المشاريع، وكذلك التحديات التي يمكن أن تعترض تنفيذها.
وشدّدوا على ضرورة حسن استغلال ثرواتنا الطبيعية من طاقة شمسية وطاقة رياح بما ينعكس إيجابا على حياة المواطن من خلال تحسين الشروط التفاوضية صلب اتفاقيات اللزمات وضمان حقوق الأجيال القادمة. وتساءلوا عن كيفية الاستفادة من الرصيد الكربوني من خلال هذه المشاريع ودور البصمة الكربونية في التأثير على الصادرات التونسية.
وفي اجاباتهم على تساؤلات النواب أكّد ممثلو عمادة المهندسين التونسيين أن البصمة الكربونية أصبحت رهانا تنافسيا ومعيارا حاسما في التجارة العالمية خاصة مع دخول آلية تعديل الكربون على الحدود حيز التطبيق الكامل بحلول سنة 2026 بحيث إن المنتجات الموجهة للتصدير نحو السوق الأوروبية، وهي وجهة 70% من صادراتنا، ستخضع لرسوم إضافية مرتبطة مباشرة بكثافة الكربون في الكهرباء المستخدمة في إنتاجها.
وقدّموا جملة من التوصيات لتحقيق السيادة الطاقية منها التأكيد على أهمية الربط الكهربائي مع المحيط الإقليمي والاستثمار في التخزين الطاقي وتطوير شبكة النقل لتعزيز مرونة المنظومة إضافة إلى اعتماد إطار واضح لحوكمة البيانات الطاقية مع إدماج إلزامي لمتطلبات الأمن السيبراني في جميع المشاريع، والتسريع في رفع حصة الطاقات المتجددة ضمن رؤية وطنية شاملة ومنسقة إلى جانب ضمان الرقابة الوطنية الفعّالة على الأنظمة الرقمية الحساسة، لأن السيادة الطاقية في مفهومها الحديث لم تعد مسألة إنتاج فحسب بل هي منظومة متكاملة تجمع بين التحكم في البنية التحتية، والسيطرة على البيانات، وتأمين الأنظمة الرقمية، وخفض البصمة الكربونية بما يصون تنافسية اقتصادنا.
وفي ختام الجلسة تمّ الاتفاق على مواصلة النظر في مشاريع القوانين المعروضة وعقد جلسة استماع الأسبوع القادم إلى ممثلين عن وزارة البيئة والشركة التونسية للكهرباء والغاز