استأنف مجلس نواب الشعب صباح اليوم الجمعة 10 جويلية 2026 اشغال الجلسة العامة برئاسة العميد إبراهيم بودربالة، رئيس مجلس نواب الشعب، وبحضور وزير الاقتصاد والتخطيط السيّد سمير عبد الحفيظ والوفد المرافق له، والتي خُصّصت للنظر في مشروع قانون يتعلّق بالمصادقة على مخطّط التنمية 2026-2030 (عدد 42/2026).
وفي تفاعله مع مداخلات النواب، أكّد وزير الاقتصاد والتخطيط أنّ الملاحظات والمقترحات التي قدّمها النواب عكست روح المسؤولية، وأبرزت توافقا واسعا حول تشخيص التحديات الوطنية والأهداف التنموية، إلى جانب الحرص المشترك على تعزيز الدولة الاجتماعية وترسيخ مبدأ المساواة بين الجهات والفئات. كما اعتبر أنّ النقاش الذي شهدته أشغال اللجان الموحّدة جسّد تكامل الأدوار بين الوظيفتين التشريعية والتنفيذية، ووحدة الغاية في خدمة الوطن وإنجاح مخطّط التنمية 2026-2030.
وأوضح أنّ تونس تمتلك تجربة عريقة في مجال التخطيط تعود إلى ستينات القرن الماضي، وأنّ المخطّط الحالي يُعدّ الأول الذي يُصاغ في ظلّ دستور الجمهورية الجديد، ويستند إلى مقاربة تصاعدية تنطلق من الحاجيات المحلية فالجهوية فالإقليمية وصولا إلى المستوى الوطني، بما يجعل التنمية أكثر عدالة ونجاعة واستجابة لتطلعات المواطنين.
وبيّن أنّ المقترحات الواردة من المجالس المنتخبة لم تقتصر على المشاريع، بل شملت رؤى تنموية وتشخيصا لواقع الجهات وتوصيات عملية، وقد تمّت دراستها في إطار رؤية واقعية تراعي الأولويات والإمكانيات المتاحة. كما أوضح أنّ المخطّط يؤسّس لتفعيل التقسيم الترابي الجديد، ويكرّس مبدأ انبثاق الأولويات التنموية من الواقع المحلي، مع مراعاة التوازنات المالية للدولة والاستدامة المالية والتنموية، وهو ما اقتضى التنسيق مع وزارة المالية وعدم إدراج جميع المشاريع المقترحة.
وأشار إلى أنّ إعداد المخطّط التنموي حظي بمتابعة متواصلة من الحكومة عبر عدد من المجالس الوزارية التي أسهمت في تدقيق محفظة المشاريع وضمان قابلية تنفيذها، مبرزا أنّه تمّ إعداد الإطار الاقتصادي الشامل وفق منهجية علمية تراعي الانسجام بين مختلف مكوناته، بالاعتماد على المعطيات الإحصائية الرسمية المتوفرة إلى موفى ديسمبر 2025، بما يضمن واقعية التقديرات وتماسك الفرضيات. وأضاف أنّ الإبقاء على الفرضيات الأساسية للمخطّط لا يعني تجاهل المتغيّرات الاقتصادية والجيوسياسية، وإنما يستجيب لمقتضيات النمذجة الاقتصادية التي تستوجب اعتماد نقطة مرجعية مستقرة، وهو ما تعزّزه أيضا تقديرات المؤسسات الدولية التي أبقت، في تقاريرها الصادرة خلال أفريل 2026، على توقعاتها لنمو الاقتصاد التونسي.
وأكد أنّ المخطّط يستهدف الارتقاء بالدخل الفردي، والتقليص من نسبة الفقر إلى أقل من 15 بالمائة، وتحسين مؤشر التنمية البشرية بما يمكّن تونس من الالتحاق بشريحة البلدان ذات الدخل المتوسط، إلى جانب الترفيع في المعدل الوطني لمؤشر التنمية الجهوية من 0.54 إلى 0.60 والتقليص من الفوارق بين الجهات ويدعم المقدرة الشرائية للمواطن.
وأوضح أنّ تحقيق هذه الأهداف يرتكز على تطوير منظومات التربية والتعليم العالي والتكوين المهني والبحث العلمي، والارتقاء بجودة مخرجاتها وتطابقها مع حاجيات الاقتصاد الوطني ومهن المستقبل، إلى جانب تطوير المنظومة الصحية وتوسيع النفاذ إلى خدمات ذات جودة في مختلف الجهات.
كما بيّن أنّ المخطّط يتجه نحو إرساء نموذج اقتصادي يقوم على تأهيل النسيج الاقتصادي وتعزيز اندماجه في التحولات التكنولوجية والمناخية، من خلال الاستثمار في المعرفة والابتكار والقطاعات ذات القيمة المضافة العالية، مستشهدا بقطاع مكونات الطائرات الذي يساهم بحوالي 5 بالمائة من الناتج الداخلي الخام ويوفر نحو 20 ألف موطن شغل، إضافة إلى الصناعات الميكانيكية ومكونات السيارات، بما يعكس قدرة الكفاءات التونسية على المنافسة والإبداع.
وفيما يتعلق بالإصلاح الإداري، أفاد بأنّه تمّ جرد 3197 إجراء إداري لدى رئاسة الحكومة و24 وزارة والهياكل الراجعة إليها بالنظر، وأسفرت عملية المراجعة عن تبسيط 2255 إجراء، أي بنسبة 71 بالمائة، وحذف 177 إجراء، مع توجيه أغلب الإصلاحات نحو رقمنة الخدمات، وتعزيز الترابط البيني بين الإدارات، وتقليص الوثائق وإختصار الآجال.
وأشار إلى أنّ تحقيق أهداف المخطّط يبقى رهين تسريع نسق الإصلاحات، وخاصة رقمنة الإدارة، وتحسين مناخ الأعمال، واستقطاب الاستثمار الخاص، ومواصلة إنجاز المشاريع العمومية المعطلة، مبرزا ما تحقق من تقدم في عدد منها، إلى جانب برمجة مشاريع بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، على غرار عدد من محطات التطهير ومشروع تبرورة، فضلا عن مشاريع وطنية كبرى تتجاوز آثارها حدود الأقاليم، من بينها مشروع مطار تونس قرطاج الدولي.
وأكد أنّ المخطّط يرتكز على خمس توجهات مرجعية تتمثل في تحقيق تنمية اجتماعية عادلة وشاملة، وتعصير الاقتصاد والبنية التحتية، وتحديث الإطار المؤسساتي، والارتقاء بنجاعة المرفق العام، وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن، بما يضمن حسن استغلال الثروات الوطنية وتحسين تنافسية الاقتصاد وتحقيق الكرامة وتقاسم ثمار التنمية بين جميع التونسيين.
واختتم بالتأكيد على أنّ نجاح مخطّط التنمية يظل رهين حسن التنفيذ، وتعزيز التنسيق بين مختلف مؤسسات الدولة، ومواصلة الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية، مبرزا في هذا الإطار الدور المحوري لمجلس نواب الشعب في توفير القاعدة التشريعية اللازمة لإنجاح الإصلاحات ومواكبة تنفيذ المخطّط، الذي يجسّد الخيارات الوطنية ويستجيب لتطلعات المواطنين.
ثم تمّت المصادقة على مشروع القانون المتعلق بالمصادقة على مخطط التنمية 2026-2030 (عدد 2026/42) برمّته بـ 64 نعم 15إحتفاظ و24 رفض.
وفي ختام الجلسة، عبّر رئيس مجلس نواب الشعب العميد إبراهيم بودربالة عن اعتزازه بالمصادقة على أوّل مخطّط تنموي يُصاغ وفق فلسفة دستور الجمهورية التونسية الجديد، وباعتماد مقاربة تشاركية تنطلق من المستوى المحلي وصولا إلى المستوى الوطني، بما يكرّس مبادئ الإنصاف والعدالة والكرامة بين مختلف الجهات والفئات. واعتبر أنّ هذا المخطّط يمثّل استحقاقا وطنيا يعطي شارة انطلاق مرحلة جديدة من التنمية تقوم على تكريس الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز السيادة الوطنية، وتحقيق تنمية عادلة وشاملة تجعل الإنسان محور السياسات العمومية، مع حسن استغلال الثروات الوطنية والاستجابة لتطلعات المواطنين في العيش الكريم.
كما أكّد أنّ النقاشات البرلمانية أسهمت في إثراء المخطّط وتعميق النظر في مختلف محاوره، بما يرسّخ رؤية تنموية متكاملة تقوم على تكامل السياسات العمومية، وإيلاء التنمية المجالية والقطاعات الحيوية، وفي مقدّمتها الأمن الغذائي والمائي والطاقي، والتعليم، والصحة، والبنية التحتية والاستثمار، المكانة التي تستحقها. وأبرز أنّ المخطّط يوفّر رؤية استراتيجية واضحة لعمل أجهزة الدولة، ويرتكز على تعزيز التوازن التنموي بين الجهات، وتحديث الإطار المؤسساتي، والارتقاء بنجاعة المرفق العمومي، بما يساهم في تحقيق النمو وتحسين الخدمات.
وشدّد على أنّ دور مجلس نواب الشعب سيتواصل خلال المرحلة المقبلة عبر استكمال الإطار التشريعي اللازم، ومواكبة تنزيل المخطّط من خلال مشروعي قانون المالية والميزان الاقتصادي لسنة 2027، إلى جانب ممارسة دوره الرقابي لمتابعة تنفيذ البرامج والمشاريع وتقييمها، بما يضمن حسن الإنجاز والشفافية والحوكمة ويخدم المصلحة العليا للوطن