نظّمت الأكاديمية البرلمانية بمجلس نواب الشعب، صباح اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، يوما دراسيا حول «مقترح قانون أساسي عدد 2025/57 يتعلق بالهياكل الرياضية»، أشرف عليه العميد إبراهيم بودربالة رئيس مجلس نواب الشعب، بحضور نائبي رئيس المجلس، السيدة سوسن المبروك والسيد أنور المرزوقي، والسيد عبد الرزاق عويدات رئيس لجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي والشباب والرياضة، إلى جانب عدد من الأساتذة المختصين في القانون الرياضي وخبراء في المجال الريّاضي وثلّة من الإعلاميين الرياضيين.
وأكد رئيس مجلس نواب الشعب، في كلمته الافتتاحية، أنّ مقترح القانون المعروض على أنظار لجنة التربية تمّ التداول بشأنه مع مختلف الأطراف ذات العلاقة، مثمّنا عمل اللجنة ومجهوداتها في الاستماع إلى آراء المختصين. واعتبر أنّ مقترح القانون موضوع النظر، في حال المصادقة عليه، من شأنه أن يخلق بيئة جديدة لتنظيم قطاع الرياضة في البلاد. وأكّد، في هذا السياق، أهمية تشريك المجلس لكافة الأطراف، سواء من وزارة الشباب والرياضة أو ممن تحمّلوا المسؤولية صلب عدد من الأندية أو من المختصين في هذا المجال. كما جدّد العميد إبراهيم بودربالة تأكيد انفتاح مجلس نواب الشعب على مختلف الآراء، من أجل إرساء رؤية استشرافية للنهوض بالواقع الرياضي ومراعاة المصلحة العليا للدولة.
وقدّم السيد عبد الرزاق عويدات، رئيس لجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي والشباب والرياضة، مداخلة ذكّر في مستهلّها بمسار مناقشة مقترح القانون المتعلق بالهياكل الرياضية، الذي عُرض على أنظار اللجنة منذ الدورة النيابية 2024-2025، مبيّنا أنّها استمعت إلى جهة المبادرة خلال جلستين عُقدتا بتاريخ 17 جويلية 2025 و4 مارس 2026.
وأكّد الأهمية التي أولتها اللجنة لهذا المقترح، استناداً إلى عدد من الاعتبارات، من بينها تراجع مستوى الرياضة والصعوبات المالية التي تواجهها النوادي الرياضية من جهة والرياضات الفردية من جهة أخرى، رغم النجاحات التي حققتها. واعتبر أنّ الوضعية التي آل إليها قطاع الرياضة تعود إلى عدد من العوامل الرئيسية، لا سيما العامل التشريعي.
وأوضح أنّ قانون الهياكل الرياضية يعود إلى سنة 1995، مشيراً إلى الجهود التي بذلتها اللجنة المعنيّة من أجل تشريك مختلف المختصين في هذا المجال وتوسيع دائرة اطّلاعها على تفاصيل المقترح وتداعياته على واقع الرياضة التونسية. وذكّر بجملة الاستماعات التي عقدتها اللجنة في الغرض، والتي شملت اللجنة الوطنية الأولمبية التونسية، واللجنة الوطنية البارالمبية التونسية، والجمعية التونسية للقانون الرياضي، إلى جانب ممثلين عن هيئة الخبراء المحاسبين بالبلاد التونسية، وممثلين عن الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، فضلاً عن مجموعة من الأساتذة المختصين في القانون الرياضي.
وأوضح السيد عبد الرزاق عويدات أنّ اللجنة سعت إلى الاستفادة من مختلف هذه الاستماعات في إطار قراءة ثانية لمقترح القانون، مع مراجعة فصوله استئناساً بمقترحات المختصين من حيث الشكل، حيث تمّ التقليص من عدد الفصول بحذف الفصول المكرّرة، ليصبح المقترح متضمّناً 165 فصلاً.
وبيّن أنّ اللجنة أعادت ترتيب عناوين المقترح من حيث المضمون، كما ارتأت تغيير عنوانه إلى «مقترح قانون أساسي يتعلق بهياكل الرياضة»، ليكون أكثر شمولاً، وأدخلت تعديلات على محتوى بعض الفصول، ليأخذ المقترح صيغته الجديدة الحالية.
وأكّد انفتاح اللجنة، من خلال تنظيم هذا اليوم الدراسي، على آراء المختصين في القانون الرياضي والإعلاميين الرياضيين، بما يبرز مدى نجاعة هذا القانون، الذي يهدف أساساً إلى إحداث تغيير جذري في واقع الرياضة التونسية، وذلك قبل الشروع في المصادقة على فصوله تباعاً، فصلاً فصلاً، صلب اللجنة.
وعلى صعيد آخر،أكد عدد من المختصين في القانون الرياضي أنّ النص المعروض لا يقتصر على تعويض القانون عدد 11 لسنة 1995 المؤرخ في 6 فيفري 1995 والمتعلق بالهياكل الرياضية، بل يمتدّ في مضمونه ليشمل جوانب من القانون عدد 104 لسنة 1994 المؤرخ في 3 أوت 1994 والمتعلق بالتربية البدنية وتطوير الأنشطة الرياضية.
وبخصوص تصنيف الهياكل الرياضية، أشار المتدخلون إلى أنّ التوسع في صياغة الفصل الثاني لا يحقق فائدة واضحة، مؤكدين ضرورة استبعاد مراكز التكوين العمومية والخاصة والاكاديميات الرياضية من مجال تطبيق مقترح القانون، باعتبار خضوعها لأطر قانونية أخرى. كما بيّنوا أنّ المنظومة الرياضية تقوم أساسًا على الجامعات الرياضية والأندية بدرجة أولى، إلى جانب اللجنة الوطنية الأولمبية التونسية. وبخصوص الفصل 13 المتعلق بتحجير الجمع بين رئاسة أو عضوية هيكلين رياضيين في الوقت نفسه، دعا المتدخلون إلى التفكير في إدراج بعض الاستثناءات التي يمكن الترخيص بها من قبل سلطة الإشراف، بما يراعي خصوصية بعض الوضعيات.
كما أشار المختصون، خلال تناولهم للفصل 89 من مقترح القانون، الذي ينص على الطعن في القرارات الصادرة عن لجنة التأديب وفض النزاعات لدى لجنة الاستئناف بالجامعة الرياضية المعنية، إلى أنّ هذه الآلية لا تأخذ بعين الاعتبار خصوصية المجال الرياضي وطبيعة النزاعات المرتبطة به. معتبرين أن تنفيذ القرار الابتدائي لا يوقفه الطعن بالاستئناف.
وفي المقابل، ثمّن المتدخلون التنصيص على إحداث محكمة للنزاعات الرياضية، مقترحين توضيح اختصاصها بالنص المعروض كمختصة بالنظر في النزاعات الرياضية الوطنية دون الدولية، بما يضمن تحديد مجال تدخلها بصورة دقيقة.
و في سياق متصل، انتقد الضيوف احداث دائرة للأخلاقيات صلب محكمة النزاعات الرياضية، داعين الى عدم تجريد هذه الدائرة من وظيفتها التنازعية، بما يضمن الحفاظ على دورها في فض النزاعات المرتبطة بالأخلاقيات الرياضية.
كما شدّد الضيوف على ضرورة ضبط دور الدولة في المجال الرياضي، من خلال إرساء أحكام تضمن اضطلاعها بدورها في التأطير والمساندة، دون تغييب استقلالية الهياكل الرياضية أو التدخّل في نشاطها.
وفيما يتعلق بالتمويل الرياضي، أشار المتدخلون الى أنّ مقترح القانون يفتقر إلى حلول عملية للإشكاليات القائمة، معتبرين أنّ الصعوبات لا ترتبط أساسًا بغياب النصوص القانونية، وإنما بمدى القدرة على استغلال مصادر التمويل المتاحة وتطويرها والتي تشمل حقوق البث التلفزيوني، ومداخيل "بيع اللاعبين" والتذاكر، والهبات والمنح، إلى جانب التسويق الرياضي والاستشهار.
وفي هذا السياق، أوضح المختصون أنّ تحويل الجمعيات الرياضية إلى شركات أو مؤسسات لن يساهم، في حد ذاته، في حل إشكاليات التمويل، مؤكدين أهمية المحافظة على الشكل الجمعياتي باعتباره أحد مكونات حماية الرياضة وتطويرها.
كما دعا المتدخلون إلى تغيير المقاربة المعتمدة في التعاطي مع التمويل الرياضي، والعمل على تحسين الظروف المحيطة بالهياكل الرياضية، ولا سيما تطوير البنية التحتية، وتهيئة بيئة ملائمة لاستقطاب المستثمرين والمستشهرين وتنويع موارد التمويل.
وخلص الحاضرون إلى ضرورة إعادة النظر في عدد من أحكام مقترح القانون وتدارك النقائص الواردة فيه، بما يضمن وضوح الإطار القانوني المنظم للهياكل الرياضية، ويحترم خصوصية النشاط الرياضي، ويوفر شروط الحوكمة والاستقلالية والاستدامة المالية.
ودعوا الى ضرورة إقرار آليات للتعديل اللاحق في مقترح القانون من خلال الرقابة الإدارية التي تمارسها الدولة، الى جانب الرقابة القضائية، وعدم الاكتفاء بآلية التعديل الذاتي بما يضمن حسن تطبيق النصوص القانونية واحترام الضوابط المنظمة للنشاط الرياضي.
كما طالب عدد من المتدخلين بتكريس مبدأ حياد المحكمة من خلال ضمان استقلالية تركيبتها بما يعزز الثقة في قراراتها ويضمن الموضوعية والانصاف في فض النزاعات الرياضية.
وتم اقتراح التنصيص على جملة من المسائل الإضافية ضمن مقترح القانون، من بينها التمييز بين الرياضة المحترفة والرياضة الهاوية، وتعزيز آليات تأطير الشباب، الى جانب إرساء أحكام تضمن حماية الجمهور.
وفي سياق آخر، أشار أحد المتدخلين إلى تفاقم مديونية الجمعيات الرياضية تجاه الصناديق الاجتماعية، مؤكّدا ضرورة إيجاد حلول عملية لتسوية هذه الديون ومعالجة الوضعيات المالية المتعثّرة للأندية. كما اعتبر أن إحداث شركات ذات غرض رياضي يمثّل خطوة أساسية نحو إرساء منظومة رياضية محترفة، مقترحًا في هذا الإطار إحداث «بنك استثمار رياضي» يتولى تمويل المشاريع الرياضية والمساهمة في إعادة هيكلة ديون الأندية.
وشدّد، من جهة أخرى، على ضرورة مراعاة مقترح القانون المتعلق بإحداث صنف من المؤسسات العمومية يُعنى بالتصرف في المنشآت الرياضية وصيانتها، عند النظر في المبادرة التشريعية، بالنظر إلى الترابط بين النصين وتكامل أهدافهما.
وفي ما يتعلّق بمضمون مقترح القانون، أشار إلى وجود بعض الأحكام التي قد يتعذّر تطبيقها عمليًا، فضلًا عن وجود فصول تتضمّن تناقضات أو تعارضًا في ما بينها، وهو ما يستوجب مراجعتها ومزيد التدقيق فيها، بما يضمن انسجام أحكام النص وقابليتها للتنفيذ.
من جهتهم، اقترح ممثلو المؤسسات الإعلامية ادراج جملة من الملاحظات ضمن مقترح القانون، من بينها تكريس استقلالية لجنة الحكام والتحكيم، وإحداث هيكل مستقل تابع لوزارة الشباب، بما يضمن استقلالية منظومة التحكيم ويساهم في تطويرها.
وفي سياق متصل، أشار المتدخلون إلى أن مقترح القانون يقتصر على الرياضات الجماعية، مؤكدين ضرورة إيجاد صيغة قانونية تضمن شمولية أحكامه لتشمل مختلف الاختصاصات الرياضية، بما يكرّس مبدأ المساواة بين الرياضات. كما دعوا إلى النهوض بالرياضة النسائية وتعزيز حضورها وتمثيليّتها في مختلف الهياكل، منتقدين عدم التزام بعض الجمعيات الرياضية بالتشريعات الجاري بها العمل، ولا سيما ما يتعلق بعدم تطبيق إلزامية إحداث نواد رياضية نسائية صلب الفرق المحترفة.
واعتبر عدد اخر من الإعلاميين المختصين في الشأن الرياضي أن مقترح القانون، في صيغته الحالية، يمثّل نصّا متكاملا يهدف إلى تطوير المشهد الرياضي والارتقاء به، داعين إلى التعجيل بالنظر فيه، ومؤكدين ضرورة الانتقال إلى مراحل عملية من شأنها تجسيد أهدافه على أرض الواقع، مع تحيينه وتطويره بما يتماشى مع متطلبات المرحلة وتحدياتها.
ودعوا الى ضبط خارطة طريق واضحة ودقيقة لتنفيذ القانون بما يتماشى مع مواعيد الاستحقاقات الرياضية الكبرى وبما يضمن جاهزية النص التشريعي وتطبيقه في الآجال المناسبة.
وخلال النقاش العام، أجمع النواب على أهمية الاستئناس بآراء الخبراء و المختصين والاكاديميين في مختلف المجالات بما يساهم في تحسين النص التشريعي وتجويده وضمان سلامته ونجاعته وقابليته للتنفيذ على أرض الواقع خدمة للمصلحة العليا للوطن وتحقيقا للأهداف المرجوة منه.
وأكّد النواب، في هذا السياق ،أهمية التعجيل بسنّ هذا القانون باعتباره أولوية ملحّة، في ظلّ ما تشهده الرياضة التونسية من إشكاليات تتعلّق بسوء الحوكمة، مما ساهم في تراجع النتائج الرياضية وضعف الأداء في مختلف الاختصاصات.
كما أشاروا الى النقائص التي لا تزال تشهدها الرياضة التونسية خاصة في الجهات الداخلية، من حيث محدودية البنية التحتية و ضعف الإمكانيات المتاحة رغم ما كرسه دستور 2022 وما تضمنه مشروع البناء القاعدي من توجهات تهدف الى تعزيز دور الجهات وتحقيق العدالة في توزيع الإمكانيات والفرص.
وشدد النواب على ضرورة القطع مع عدد من الظواهر السلبية التي باتت تهدد القطاع الرياضي وفي مقدمتها العنف في الملاعب الذي امتد ليشمل حتى صغار الرياضيين داعين الى التفكير في وضع تشريعات وإجراءات قانونية كفيلة بالحد من هذه الظاهرة وتعزيز الروح الرياضية وترسيخ قيم التسامح والانضباط داخل الفضاءات الرياضية.
وفي ختام أشغال اليوم الدراسي، جدّد العميد إبراهيم بودربالة، رئيس مجلس نواب الشعب، تأكيد انفتاح لجنة التربية على مختلف المقترحات التي تقدّم بها الضيوف من المختصين في الشأن الرياضي، مشدّداً على ضرورة أن يكون القانون ملزماً للدولة بمختلف وظائفها ولجميع المؤسسات المعنية. واعتبر أن الغاية الأساسية من هذا المسار التشاركي تتمثّل في التوصّل إلى صياغة قانون قابل للتطبيق، يستجيب للتحديات المطروحة ويحقّق المصلحة العليا للوطن.
كما دعا كافة الأطراف المعنيّة إلى التفاعل الإيجابي مع مقترحات اللجنة، مبرزا أن واقع الرياضة في تونس يستوجب تضافر الجهود على مختلف المستويات، من خلال تحسين البنية التحتية، ودعم الهياكل الرياضية، وتعزيز العناية بالرياضات الفردية، فضلاً عن تكريس الاهتمام بالرياضة لدى الناشئة. وفي هذا السياق، ثمّن المستوى المشرّف الذي بلغته الرياضات الجماعية في تونس في مختلف الاختصاصات