عقدت لجنة التخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة والنقل والبنية التحتية والتهيئة العمرانية بمجلس نواب الشعب جلسة مشتركة مع لجنة المخططات التنموية والمشاريع الكبرى بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم يوم الأربعاء 04 نوفمبر 2026 للاستماع إلى وزير النقل حول مشروع ميزانية مهمة النقل لسنة 2027، وذلك برئاسة السيد طارق المهدي نائب رئيس لجنة التخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة والنقل والبنية التحتية والتهيئة العمرانية والسيدة سعيدة شقير رئيسة لجنة المخططات التنموية والمشاريع الكبرى، وبحضور السيد صالح السالمي مقرر اللجنة والسادة الأعضاء طارق الربعي وسفيان بن حليمة ومعز برك الله وسامي الحاج عمر وثامر مزهود، بالإضافة إلى عدد من النواب من غير أعضائها.
وفي مستهل الجلسة، أبرز وزير النقل دور الوزارة في دفع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، باعتبار النقل رافعة أساسية للاستثمار والتشغيل وتحقيق التنمية المتوازنة بين الجهات، من خلال تأمين تنقل الأشخاص والبضائع في ظروف آمنة، وتطوير البنية التحتية وتحسين جودة الخدمات. كما ذكّر بأن الاستراتيجية الوطنية لقطاع النقل للفترة 2026-2030 تهدف إلى إرساء منظومة نقل حديثة وناجعة تضمن حق التنقل الآمن والعادل لجميع المواطنين، وتعزز تنافسية الاقتصاد الوطني وتواكب التحولات التكنولوجية والبيئية.
واستعرض الوزير أبرز الإنجازات المحققة خلال سنة 2026 والمشاريع المبرمجة لسنة 2027 في مختلف مجالات النقل البري والبحري والجوي، مشيراً إلى أن النقل البري يستأثر بنحو 92% من الاعتمادات الجملية لمهمة النقل، يخصص منها حوالي 57% لنفقات دعم النقل و43% للمشاريع التنموية.
وبخصوص برنامج الطيران المدني، أوضح أن النفقات ضبطت في حدود 17.170 مليون دينار لسنة 2027، مقابل 14.236 مليون دينار سنة 2026، وتتمثل محاوره الاستراتيجية في إعادة تنظيم مصالح الطيران المدني، وتنمية النقل الجوي الداخلي والدولي، وتحسين الإشراف على السلامة وأمن الطيران، والارتقاء بجودة الخدمات، وتنشيط المطارات الداخلية وتهيئة بنيتها التحتية وفق المعايير الدولية.
أما برنامج النقل البحري والموانئ، فقد تم رصد اعتمادات تخصص منها حوالي 40% لدعم النقل و52% للمشاريع التنموية. وتشمل أبرز المشاريع تمكين الشركة الجديدة للنقل بقرقنة من قسط أول بقيمة 5 ملايين دينار لاقتناء سفينة جديدة، وتوفير اعتمادات قدرها 13,992 مليون دينار لشركة ميناء النفيضة، تخصص أساسا لتحيين دراسات السوق والدراسات الفنية والاقتصادية والمالية المتعلقة بإنجاز الميناء.
كما ستخصص نسبة 34,9% من النفقات التنموية المدرجة ضمن برنامج القيادة والمساندة للمعهد الوطني للرصد الجوي، للمساهمة في تنفيذ البرنامج المندمج للصمود ضد الكوارث الطبيعية، إلى جانب مشاريع تهيئة المحطات الجهوية للرصد الجوي وتأهيل مركز التوقعات الجوية وتطوير شبكة محطات الرصد بالمطارات.
وإثر العرض الوزاري، أكد النواب أهمية قطاع النقل باعتباره ركيزة للاقتصاد الوطني ومحفزا للاستثمار، فضلا عن دوره الاجتماعي في فك العزلة عن المناطق الداخلية وضمان النفاذ العادل إلى خدمات النقل. وتناولت تدخلاتهم مختلف الإشكاليات المتعلقة بالنقل البري والبحري والجوي، على المستويات المحلية والجهوية والوطنية والدولية، في إطار البحث عن حلول عملية تستجيب لمشاغل المواطنين بمختلف الجهات، وخاصة الداخلية منها.
وفي هذا السياق، تطرق النواب إلى وضعية النقل العمومي واستمرار الطابع المركزي للبرامج التنموية على حساب الجهات الداخلية، معتبرين أن أزمة النقل لا تقتصر على نقص التمويل أو الوسائل، بل ترتبط كذلك بالحوكمة والهيكلة والرؤية، ومشددين على ضرورة معالجة إخلالات التصرف والحد من الفساد وتعزيز التشاركية في اتخاذ القرار.
كما أكدوا أهمية التوزيع العادل للحافلات الجديدة على مختلف الولايات وفق الأولويات والحاجيات، وخاصة المناطق التي عانت التهميش، بما يضمن تحسين تنقل التلاميذ والطلبة إلى المؤسسات التعليمية ويحد من الأعباء البدنية والصحية والمالية التي يتحملونها وانعكاساتها على نتائجهم الدراسية. ودعوا إلى تكثيف الجهود في مجال النقل المدرسي وإيلائه العناية اللازمة.
وتجددت الدعوات إلى مزيد من الشفافية في إسناد رخص التاكسي الفردي والجماعي، ومراجعة النصوص القانونية المنظمة لقطاع النقل وتحيينها، بما يضمن استمرارية النشاط وتحسين الخدمات المقدمة للمواطن، من خلال مقاربة شاملة تستبق الأزمات وتحتوي الاحتقان وتضمن الوفاء بتعهدات الدولة تجاه المهنيين.
كما أثار النواب وضعية عدد من محطات النقل التي تعاني من غياب شروط النظافة والنظام والأمن، مؤكدين ضرورة توفير الإمكانيات اللازمة للصيانة والتنظيف والحد من مظاهر الإهمال والفوضى. وتناولوا كذلك إشكالية استعمال الغاز البترولي المسال، مشيرين إلى توفر هذه المنظومة ببعض الولايات وحرمان أخرى منها، رغم مطالب المهنيين بتقنين استعمالها وتعميمها.
وسجلوا إشكاليات في تفعيل اللجان الجهوية الاستشارية التابعة للوزارة، من حيث عدم انتظام اجتماعاتها وضعف اضطلاعها بمهامها في عدد من الولايات، داعين إلى تفعيل دورها باعتبارها آلية للتشاور والتنسيق بين الإدارة والمهنيين، ضمن رؤية إصلاحية شاملة تتجاوز الحلول الظرفية والجزئية.
كما طالب النواب بتوضيحات حول حجم خسائر شركة الخطوط التونسية ومديونيتها وبرنامج إنقاذها وإعادة هيكلتها، بما يضمن ديمومتها وقدرتها على المنافسة والاضطلاع بدورها الاقتصادي والاجتماعي.
وأجمع أعضاء اللجنتين على الطابع الشمولي لقطاع النقل وتقاطعه مع مختلف القطاعات، مؤكدين الدور المحوري للوزارة في تحويل المشاريع والتصورات إلى إنجازات فعلية، باعتبار النقل رافعة للصناعة والفلاحة والتجارة والتنمية والصحة وغيرها. وشددوا على ضرورة إعطاء الأولوية للمناطق الداخلية والمعزولة التي تعاني ضعف خدمات النقل وصعوبة التنقل، بما يضمن فك العزلة عنها وتوفير الحد الأدنى من مقومات التنقل في ظروف تحفظ كرامة المواطنين.
وتفاعلاً مع مداخلات النواب، أكد وزير النقل أن الوزارة تعمل، بإطاراتها وكفاءاتها، على تعزيز مكانة تونس في المحافل الدولية، وأن الإنجازات المحققة في قطاع النقل وغيره هي ثمرة جهود أجيال متعاقبة وما تزخر به المؤسسات الوطنية من كفاءات. وأوضح أن معالجة الإشكاليات الجهوية تتم تدريجياً وفق مقاربة عادلة تراعي خصوصيات كل جهة، معلنا تخصيص حافلات جديدة لعدد من المناطق لتعزيز الربط بين المعتمديات ومراكز الولايات.
وبخصوص مطالب إحداث خطوط نقل جديدة، أفاد بأن الوزارة مستعدة لدراسة جدواها وفق الحاجيات والإمكانيات المتاحة، مؤكداً أن المديرين الجهويين يتمتعون بالصلاحيات اللازمة للتصرف واتخاذ القرارات في نطاق مهامهم، وأن تعيينات جديدة ستتم قريباً مع الحرص على اختيار الكفاءات القادرة على تحسين أداء الهياكل الجهوية. كما أشار إلى توجه الوزارة نحو تطوير الموانئ بما يساهم في إحداث ديناميكية جديدة وتنشيط الحركة الاقتصادية.
وفيما يتعلق بمراجعة القانون عدد 33 لسنة 2004 المؤرخ في 19 أفريل 2004 والمتعلق بتنظيم النقل البري، أوضح الوزير أن العمل جار في مراحل متقدمة، بعد إجراء عديد الاستشارات والجلسات مع الأطراف المتداخلة. وبخصوص نظافة المحطات وصيانتها، أفاد بأن أغلبها يرجع بالنظر إلى البلديات التي تتولى تسييرها وصيانتها، مؤكداً حرص الوزارة على هذا الجانب لما له من أهمية في تحسين جودة خدمات النقل.
كما أشار إلى إنجاز عمليات صيانة للحافلات وتسجيل تقدم في هذا المجال، إلى جانب توفير العدد الكافي من السائقين والفنيين والعمل على تكوين دفعات جديدة لتعزيز الموارد البشرية. وأوضح أنه تم خلال العودة المدرسية تسخير كامل أسطول الحافلات لتأمين النقل المدرسي والجامعي بمختلف الجهات، مؤكداً مواصلة الجهود لتقليص الفوارق الجهوية وتحقيق العدالة في النفاذ إلى خدمات النقل، وإصلاح منظومة الحوكمة بالمؤسسات العمومية للنقل وترسيخ ثقافة العمل والانضباط.
وفيما يتعلق بديون الشركات والمؤسسات التابعة للوزارة، أفاد بأنه سيتم العمل على إيجاد حلول لتطهيرها تدريجياً، بما يخفف أعباءها المالية ويحسن مردوديتها واستدامتها. كما أجاب عن عدد من الأسئلة ذات الطابع المحلي والجهوي بصفة برقية، متعهداً بتقديم مزيد من التفاصيل بشأنها خلال الجلسة العامة المرتقبة في الأيام القادمة.
وفي ختام الجلسة، أكد أعضاء اللجنتين أهمية مواصلة التنسيق بين الوظيفتين التشريعية والتنفيذية ومتابعة تنفيذ البرامج والمشاريع المدرجة ضمن مهمة وزارة النقل، مع إيلاء الأولوية للمشاريع ذات الأثر المباشر على حياة المواطنين، وخاصة بالمناطق الداخلية، وتحسين الربط بين الجهات والأقاليم وتطوير خدمات النقل العمومي بمختلف أنماطه، بما ينسجم مع أهداف مخطط التنمية 2026-2030 ويكرس العدالة المجالية وتكافؤ الفرص في النفاذ إلى المرافق والخدمات الأساسية.