عقدت لجنة الصحة وشؤون المرأة والأسرة والشؤون الاجتماعية وذوي الإعاقة بمجلس نواب الشعب، بالاشتراك مع لجنة الخدمات والتنمية الاجتماعية بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، يوم الخميس 5 نوفمبر 2026، جلسة استماع إلى وزير الشؤون الاجتماعية حول مهمة الوزارة ضمن مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027.
وأشرف على الجلسة السيد عزالدين التايب رئيس اللجنة، بمشاركة السيد رفيق الشنوفي رئيس لجنة الخدمات والتنمية الاجتماعية، وبحضور السيدين عبد القادر عمار، نائب رئيس اللجنة، ورؤوف الفقيري، مقرر اللجنة، وأعضاء اللجنة السيدات والسادة عبد الجليل الهاني والمنصف معلول وأيمن المرعوي ورياض بلال وأحمد بنور وعواطف الشنيتي وماجدة الورغي، إلى جانب مختار عيفاوي، مساعد رئيس المجلس المكلف بالإعلام والاتصال، وعدد من النواب من غير أعضاء اللجنة.
وفي مستهل الجلسة، استعرض الوزير تطور ميزانية الوزارة، التي ارتفعت من 4082.810 مليون دينار إلى 4227.703 مليون دينار سنة 2027، باعتبار الموارد الذاتية للمؤسسات العمومية. كما قدم أبرز توجهات الوزارة واستراتيجية عملها للفترة المقبلة، من خلال برامج الشغل والعلاقات المهنية والنهوض الاجتماعي والضمان الاجتماعي والهجرة والتونسيين بالخارج، إلى جانب برنامج القيادة والمساندة.
وفي مجال الشغل والعلاقات المهنية، أوضح الوزير أن ضمان شروط العمل اللائق يستوجب الحد من نزاعات الشغل الفردية والجماعية، والترفيع في عدد زيارات تفقد الشغل، وتركيز هياكل الحوار الاجتماعي، وتطوير النصوص القانونية والترتيبية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية، وتحسين التغطية في مجال تفقد طب الشغل، وتعزيز ثقافة الوقاية والصحة والسلامة المهنية.
وأشار إلى تقدم الوزارة في إعداد مشروع قانون لتنقيح مجلة الشغل، بما يتيح لمتفقدي الشغل الاضطلاع بدور الوساطة في النزاعات الفردية والجماعية، ويسهم في تخفيف الضغط على الدوائر الشغلية وتعزيز السلم الاجتماعي. كما ابرز ان الوزارة أعدت مشروع قانون لتنظيم العمل عن بعد بالقطاع الخاص، بهدف إضفاء مزيد من المرونة على تشريعات الشغل ومواكبة التطور التكنولوجي والتحولات المتسارعة في سوق الشغل، خاصة مع تنامي استخدام الذكاء الاصطناعي.
وفي السياق ذاته، لفت الوزير النظر إلى التحديات التي يطرحها العمل عبر المنصات والتطبيقات الإلكترونية على قانون الشغل، باعتبار تصنيف عدد من الأجراء كمسدي خدمات مستقلين يتحملون مختلف الأعباء والمخاطر، رغم خضوعهم لعلاقة تبعية قانونية، وهو ما يستوجب وضع إطار تشريعي مرن يضمن حقوقهم.
وبخصوص الضمان الاجتماعي، أفاد الوزير بأن الوزارة تعمل على إعداد مشروع قانون إطاري يتضمن المبادئ الأساسية لإصلاح شامل لمنظومة تعاني من اخلالات هيكلية تفاقمت آثارها بمرور الزمن. وقد تم إعداد المشروع استنادًا إلى دراسات معمقة، ومن المنتظر عرضه قريبًا على مجلس نواب الشعب.
أما في مجال النهوض الاجتماعي، فأكد الوزير أن إسناد المنح ينبغي أن يظل إجراء استثنائيا لفائدة فاقدي السند والعاجزين عن الكسب، مبرزا توجه الوزارة نحو تعزيز برنامج التمكين الاقتصادي للفئات الفقيرة ومحدودة الدخل. وقد تضاعفت الاعتمادات المخصصة لهذا البرنامج نحو ثلاث مرات منذ سنة 2021، لتبلغ 18 مليون دينار ضمن مشروع ميزانية 2027.
كما اشار الى ان الوزارة تعمل على إعداد منظومة رقمية بالتعاون مع مختلف الوزارات المعنية بالشأن الاجتماعي، وخاصة المكلفة بالتشغيل والفلاحة والأسرة، بهدف تنسيق التدخلات وتحسين توجيهها إلى مستحقيها، مع التركيز على المرافقة والتكوين والحد من تعثر المشاريع.
وخلال النقاش استأثر برنامج النهوض الاجتماعي بحيز هام من تدخلات النواب خاصة المنشور المتعلق بمراجعة معايير إسناد المساعدات الاجتماعية ضمن برنامج الأمان الاجتماعي. مؤكدين أن تطبيق هذا المنشور يثير جملة من الإشكاليات خاصة منها ضمان حق الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل في الحماية الاجتماعية عند اعتماد الدخل العائلي بدل الوضعية الاجتماعية الفعلية للفرد عند تحديد استحقاق المنحة. مؤكدين أن تطبيق المعايير الحسابية يؤدي إلى خطر توسيع دائرة الفقر والهشاشة عوض تحقيق الإدماج الاجتماعي. كما اعتبر النواب أن تطبيق المعايير العامة على العائلات التي تضم أشخاصا ذوي إعاقة فيه إجحاف، باعتبار أن هذه الفئة تتحمل مصاريف إضافية تتعلق بالعلاج والتأهيل والتنقل والرعاية.
وأجمع المتدخلون على ضرورة مراجعة معايير إسناد منح العائلات المعوزة وبطاقات العلاج المجاني أو بالتعريفة المنخفضة، معتبرين بأن اعتماد نظام التنقيط والتقاطعات يتميز بصرامة مفرطة بما نتج عنه إقصاء عدد كبير من العائلات المستحقة فعليا، وشدّدوا على ضرورة إعادة النظر في المنظومة بما يعطي هامشا أكبر للسلطة التقديرية للأخصائي الاجتماعي. وضرورة اعتماد مقاربة اجتماعية تفاضلية تراعي خصوصية المسنين والأشخاص ذوي الإعاقة والذين يعانون من أمراض مزمنة.
كما نبهوا من النقص في عدد الأخصائيين الاجتماعيين ووسائل العمل، داعين إلى تحيين المنصة الرقمية للوزارة وتفعيل الانتداب المباشر على دفعات للأخصائيين الاجتماعيين الأول المعطلين عن العمل. وتطرقوا كذلك إلى مناظرة الانتداب المخصصة لذوي الإعاقة، معتبرين أن عدد الخطط المفتوحة محدود وأن الاختصاصات المطلوبة لا تستجيب لمطالب شريحة واسعة منهم، إلى جانب إثارة ملفات تسوية وضعية الأعوان المتعاقدين.
وفي محور الضمان الاجتماعي، أثار النواب الصعوبات المالية للصناديق الاجتماعية وتراكم ديونها تجاه الصيدلية المركزية والمستشفيات ومسدي الخدمات الصحية، مطالبين بإيجاد مصادر تمويل مستدامة، وتقديم رؤية واضحة لإصلاح الصناديق وضمان ديمومتها وتسوية مستحقاتها بما يحفظ حقوق المضمونين الاجتماعيين.
وفيما يتعلق بالشغل والعلاقات المهنية، تمحور النقاش حول مدى تطبيق القانون عدد 9 لسنة 2025 المتعلق بتنظيم عقود الشغل ومنع المناولة، حيث أشار النواب إلى عدم امتثال عدد من الهياكل العمومية لأحكامه، خلافًا للقطاع الخاص. كما دعوا إلى التصدي للعمل الهش وغير المنظم وتوسيع قاعدة التغطية الاجتماعية لتشمل الفئات خارج منظومة الحماية.
وفي تعقيبه على مداخلات النواب، أكد الوزير أن النظام المهني الحالي لم يعد كافيا لضمان توازن منظومة الضمان الاجتماعي، مما يستوجب إسناده بنظام تغطية شاملة مفتوح لجميع المواطنين، بصرف النظر عن ممارسة مهنة من عدمها، ويتيح للمنخرط منافع تتناسب مع قدرته التمويلية، دون التحول الكلي إلى نظام الرسملة، مع المحافظة على الحقوق المكتسبة وعدم إثقال كاهل المنخرطين.
وأوضح أن هذا النظام الوسيط من شأنه تنويع أنظمة التغطية وتحسين الحوكمة واستقطاب مزيد من المنخرطين، مع ضرورة تدعيمه بصندوق أو نظام للحماية من الصدمات الناجمة عن الأزمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية أو الصحية.
وشدد الوزير على أهمية تجاوز الحواجز التقليدية بين المنظومة المساهماتية وغيرها من المنظومات، من خلال إحداث نظام خاص بالفئات ذات القدرات التمويلية الضعيفة أو غير المنتظمة، وخاصة أصحاب الأعمال غير المستقرة الذين لا يستجيبون لشروط منظومة التضامن ولا تسمح لهم إمكاناتهم بالانخراط في أحد أنظمة الضمان الاجتماعي.
وأكد ضرورة أن يكون هذا النظام مرنًا، يتيح دفع المساهمات والانتفاع بالخدمات عن بعد، ويضمن حدًا أدنى من الدخل عند التقاعد أو العجز، إلى جانب التغطية الصحية، بما يحقق التغطية الاجتماعية الشاملة، خاصة لفائدة العاملين بالقطاعات غير المهيكلة.
وبخصوص مقترح إقرار أداء اجتماعي على القيمة المضافة، أوضح الوزير أن ذلك ممكن، لكنه يظل أحد إجراءات الدعم التي قد تزيد الضغط الجبائي، مؤكدا ضرورة التركيز على إصلاح يضمن التوازن الداخلي المستدام للمنظومة.
وفيما يتعلق بتطبيق القانون عدد 9 لسنة 2025، أفاد الوزير بأن مصالح الوزارة تدخلت لتسوية وضعية أكثر من 100 ألف عامل، من بينهم نحو 80 ألفا في إطار عقود الشغل محددة المدة، مشيرا إلى أن هذه الأرقام تخص الملفات التي تدخلت فيها مصالح الوزارة فقط. وأضاف أن عددا من المؤسسات طلب مساعدة الوزارة في التصنيف المهني للأعوان الذين تمت تسوية وضعياتهم بمقتضى هذا القانون.
واعتبر الوزير أن القانون أحدث تحولا تشريعيا رائدا من خلال القطع مع التجاوزات السابقة وضمان الحقوق الأساسية للعمال، وأسهم في تحقيق الاستقرار المهني لفئات واسعة، نافيا تسجيل أي إغلاق لمؤسسة بسبب صدوره.
كما نبه إلى ضرورة الاستعداد لمواكبة التحولات التي يشهدها سوق الشغل، وخاصة تأثيرات الذكاء الاصطناعي، موضحا أن دراسة أعدتها الوزارة تشير إلى إمكانية اختفاء عدد من الوظائف مستقبلا، فضلا عن تراجع الحدود الفاصلة بين العمل المأجور القائم على التبعية والعمل المستقل، وما يطرحه ذلك من تحديات تتصل بحماية الخصوصية والمعطيات الشخصية.
وأكد أن الوزارة أعدت مشروع قانون لتنظيم العمل عن بعد وآخر خاص بالعمل عبر المنصات، إلى جانب تطوير منظوماتها الإعلامية وإحداث منصة خاصة بالتشريعات الشغلية تشمل مجلة الشغل والاتفاقيات المشتركة.
وفيما يخص العمل الرقابي، ثمّن الوزير الدور الذي يضطلع به متفقدو الشغل في مراقبة حسن تنفيذ القانون عدد 9 لسنة 2025، مشيرا إلى تكثيف حملات الرقابة على منصات التوصيل التي يعمل عدد منها وفق نظام المبادر الذاتي، ومواصلة الرقابة في مجال الصحة والسلامة المهنية والتصدي لمختلف التجاوزات، من بينها تشغيل الأطفال دون السن القانونية.
كما أوضح أن الوزارة تتابع المؤسسات التي تواجه صعوبات اقتصادية، وتتولى إشعار وزارة الاقتصاد عند ظهور بوادر أزمة، قصد اتخاذ الإجراءات اللازمة للمحافظة على مواطن الشغل.
ومن جهة أخرى، أكد الوزير أنه لم يتم التفكير في التقليص من عدد المنتفعين بمنح العائلات المعوزة أو بدفتر العلاج المجاني أو بالتعريفة المنخفضة، موضحا أن تفعيل منظومة إعلامية تعتمد التقاطع مع منظومات أخرى أدى إلى حرمان بعض المنتفعين من دفاتر العلاج أو الجرايات.
وأضاف أن الوزارة تراجع الاعتراضات يوميًا وتعمل على تسوية الوضعيات في أجل لا يتجاوز شهرًا، مع إرجاع الحقوق لأصحابها بأثر رجعي.
وأشار الوزير إلى دمج بطاقتي العلاج البيضاء والصفراء في بطاقة مغناطيسية موحدة، وإعداد مشروع أمر يتعلق بإسناد التمويل الاقتصادي، ومشروع قانون خاص بمؤسسات التنمية الاجتماعية، ونص قانوني لتنظيم أعوان التنمية الاقتصادية. كما تعمل الوزارة على إعداد مشروع قانون لتنقيح القانون التوجيهي لسنة 2005 بما يستجيب لتطلعات الأشخاص ذوي الإعاقة، إلى جانب دراسة لمراجعة منظومة الضمان الاجتماعي بأسلوب رقمي.
وبخصوص العاملات الفلاحيات، أفاد الوزير بأنه تم إعداد الأمر الترتيبي الخاص بهن، وهو في انتظار الرأي الاستشاري للمحكمة الإدارية، بعد استكمال الدراسات المتعلقة به