لجنتا التخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة تستمع إلى وزير الاقتصاد والتخطيط حول مهمة الاقتصاد والتخطيط من مشروع ميزانية سنة 2027

عقدت لجنة التخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة والنقل والبنية التحتية والتهيئة العمرانية بمجلس نواب الشعب، يوم الخميس 05 نوفمبر 2026، جلسة مشتركة مع لجنة المخططات التنموية والمشاريع الكبرى بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، للاستماع إلى وزير الاقتصاد والتخطيط حول مشروع ميزانية مهمة الاقتصاد والتخطيط لسنة 2027، وذلك بإشراف السيد طارق المهدي نائب رئيس لجنة التخطيط الاستراتيجي والسيدة سعيدة شقير رئيسة لجنة المخططات التنموية، وبحضور مقرر اللجنة والسادة الأعضاء طارق الربعي وسامي الحاج عمر وثامر مزهود، وعدد من النواب من غير أعضاء اللجنتين.
وفي مستهل الجلسة، قدّم وزير الاقتصاد والتخطيط عرضا حول الإطار العام لمشروع ميزانية المهمة وأبرز توجهاتها ومؤشراتها، مستعرضا المشمولات الأساسية للوزارة التي تتركز على أربعة محاور استراتيجية، تتمثل في تحسين نجاعة الأداء الاقتصادي وتطوير المنظومة الوطنية للإحصاء، ودعم التنمية المجالية وتطوير الاستثمارات بالجهات، ودفع الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال، إلى جانب تعبئة الموارد المالية الخارجية ودفع التعاون الفني.
وأوضح الوزير أن ميزانية مهمة الاقتصاد والتخطيط لسنة 2027 تبلغ 994,100 مليون دينار تعهدا و794,100 مليون دينار دفعا، مسجلة تطورا بنسبة 10,9% على مستوى اعتمادات التعهد وانخفاضا بنسبة 11,3% في اعتمادات الدفع مقارنة بالاعتمادات المرسمة بعنوان قانون المالية لسنة 2026.
وبيّن أن برنامج دعم التنمية القطاعية والجهوية يستأثر بأهمية خاصة، حيث تم تخصيص 78% من اعتمادات الدفع لتنفيذ البرامج الخصوصية للتنمية، الموجهة أساسا إلى تحسين ظروف عيش المواطنين وخلق موارد الرزق بالجهات. كما تم الترفيع في اعتمادات برنامج التنمية المندمجة بأقساطه الثلاث إلى 250 مليون دينار سنة 2027، مقابل 190 مليون دينار سنة 2026، بهدف مواكبة نسق إنجاز المشاريع واستكمال القسطين الأول والثاني والعناصر التكميلية المبرمجة، ومواصلة إنجاز القسط الثالث الذي ينتهي موفى سنة 2027.
وأشار الوزير إلى انخفاض نفقات التدخلات بنسبة 26,17% لتبلغ 539,825 مليون دينار سنة 2027، مقابل 731,177 مليون دينار سنة 2026، موضحا أن ذلك يعود أساسا إلى إعادة توزيع النفقات وتخصيص 300 مليون دينار تعهدا و100 مليون دينار دفعا ضمن نفقات الاستثمار لتمويل البرنامج الجهوي للتنمية، تبعا لمراجعة الإطار التشريعي للمجالس الجهوية. كما سجلت الاعتمادات المخصصة لمساهمة الدولة في المؤسسات المالية الدولية انخفاضا لتبلغ 56,225 مليون دينار، نتيجة تراجع عدد الأقساط المستوجبة للدفع وانخفاض مبلغ القسط المستوجب للبنك الإفريقي للتنمية.
وتناول العرض أبرز الأنشطة المنجزة خلال سنة 2026 من قبل المعهد الوطني للإحصاء والمجلس الوطني للإحصاء والمعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية، والمحاور المبرمجة لسنة 2027 في إطار تطوير المنظومة الوطنية للإحصاء وتحسين نجاعة الأداء الاقتصادي.
كما استعرض الوزير جهود المندوبية العامة للتنمية الجهوية ودواوين التنمية بالجنوب والوسط الغربي والشمال الغربي في مجال دعم التنمية المجالية وتطوير الاستثمار بالجهات، إلى جانب البرامج المستقبلية الرامية إلى دفع الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال، وخاصة استكمال إجراءات المصادقة على قانون الاستثمار ونصوصه التطبيقية، وتفعيل محاور الوثيقة التوجيهية لتحسين مناخ الأعمال المدرجة بمخطط التنمية 2026-2030.
وتطرق كذلك إلى مواصلة مراجعة وتبسيط كراسات شروط ممارسة الأنشطة الاقتصادية واستكمال إجراءات المصادقة على صيغها المحينة ونشرها بالرائد الرسمي، وإعداد كراسات الشروط المعوضة للتراخيص التي تم حذفها ضمن الدفعتين الأولى والثانية. كما أبرز برامج وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي والصندوق التونسي للاستثمار والهيئة التونسية للاستثمار، في مجالات الإحاطة بالمستثمرين وتحسين منظومة الحوافز ومتابعة المشاريع ورقمنة الخدمات والترويج للقطاعات ذات القيمة المضافة، وخاصة صناعات الطيران والسيارات والصناعات الغذائية والتكنولوجيات المتقدمة.
وفي تفاعلهم مع العرض، تناول نواب اللجنتين جملة من المسائل المتصلة بالتنمية الجهوية والاستثمار واستغلال الموارد الطبيعية، مؤكدين ضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية والتوازن بين الجهات، وحسن توظيف الإمكانيات والموارد المتاحة بكل جهة بما يساهم في تحسين مؤشرات التنمية والارتقاء بظروف عيش المواطنين.
وفي هذا السياق، تساءل النواب عن مدى نجاعة برنامج التنمية الجهوية في تحقيق أهدافه، وعن قدرة الدولة على استغلال الإمكانيات والموارد التي تزخر بها الجهات. كما شددوا على أهمية تعبئة الموارد المائية وإحكام التصرف فيها في ظل التغيرات المناخية، وترشيد استغلال الموارد الطبيعية وتثمينها، داعين إلى وضع استراتيجية شاملة ومستدامة تضمن حق الجهات والأجيال القادمة في هذه الموارد.
وأكد المتدخلون أن الإمكانيات البشرية والطبيعية المتوفرة قادرة على تمكين تونس من تجاوز الصعوبات الاقتصادية الراهنة، شرط حسن استغلال الثروات وتوظيف الكفاءات، واتخاذ قرارات جريئة وإجراءات عملية ناجعة لتجاوز التعطيلات، وخاصة الإدارية منها، التي تحول دون إنجاز المشاريع وتحقيق الأهداف التنموية.
كما أبرزوا مكانة التونسيين المقيمين بالخارج باعتبارهم شريكا أساسيا في دفع الاستثمار الوطني، داعين إلى تبسيط الإجراءات الإدارية وتسريع منح التراخيص وتوفير مناخ استثماري واضح ومستقر يشجعهم على توجيه مدخراتهم واستثماراتهم نحو جهاتهم ووطنهم الأم.
وأثار النواب كذلك موضوع استغلال الأراضي الدولية، مشيرين إلى توفر رصيد هام من الأراضي التابعة لأملاك الدولة لا يزال غير مستغل، ومتسائلين عن أسباب تعطيل توظيفه والمسؤوليات المرتبطة بذلك، خاصة في ظل استيراد كميات هامة من الحبوب الموجهة للاستهلاك البشري والحيواني. وأكدوا ضرورة إيجاد الحلول الكفيلة بتثمين هذه الأراضي واستغلالها على الوجه الأمثل بما يساهم في تغطية الحاجيات الوطنية وتعزيز الأمن الغذائي.
وحظي موضوع الاستثمار بحيز هام من النقاش، حيث دعا النواب إلى مزيد التركيز على التنمية الجهوية والمندمجة، وحسن توظيف آليات التعاون الدولي في بعث المشاريع والإحاطة بالمستثمرين ودعم المؤسسات التي تواجه صعوبات، بما يضمن ديمومتها ومساهمتها في الاقتصاد الوطني وتوفير مواطن الشغل والحد من البطالة.
ولاحظ المتدخلون أن تعدد الهياكل المكلفة بالاستثمار وتشتتها يسبب إرباكا للمستثمرين، مطالبين بتوحيد هياكل الإسناد والمرافقة والتفكير في إحداث قطب استثماري موحد، مع تسريع رقمنة الإدارة وتحديث خدماتها. كما أكدوا أهمية الاستثمار الخاص في تحقيق النمو الاقتصادي واستقطاب المستثمرين من الخارج، بما يستوجب تحسين مناخ الأعمال وتبسيط الإجراءات وحذف التراخيص ومرافقة الباعثين.
ودعوا في هذا الإطار إلى تحسين توزيع مكاتب النهوض بالاستثمار الخارجي والانفتاح على وجهات جديدة، وخاصة البلدان الإفريقية، والعمل على الحد من هجرة الأدمغة والكفاءات التونسية عبر توفير آليات تشجعها على العودة أو الاستثمار في تونس. كما شددوا على ضرورة مراجعة الإطار التشريعي المنظم للاستثمار والصرف، بما يجعله مواكبا للتحولات الاقتصادية ومتطلبات المرحلة، ومزيد دعم مؤسسات التمويل والإقراض.
وتطرق النواب إلى التوزيع الحالي للمندوبيات الجهوية للتنمية، معتبرين أنه لم يعد يتماشى مع التقسيم الإداري الجديد، ومذكّرين بالتوصيات التي تم تقديمها خلال جلسات العمل السابقة مع النواب بشأن إعادة هيكلتها دون اتخاذ إجراءات ملموسة إلى اليوم. كما أكدوا ضرورة إرساء آليات رقابية ناجعة للمتابعة الدورية لمدى تقدم البرامج والمشاريع التنموية وقياس أثرها الفعلي على المواطنين بمختلف الجهات.
وتناول النقاش كذلك قدرة سوق الشغل على استيعاب الوافدين الجدد، وخاصة خريجي التعليم العالي والتكوين المهني، مؤكدين أن الإجراءات الظرفية لا تكفي لزيادة موارد الدولة أو معالجة البطالة، وأن المرحلة تتطلب إصلاحات اقتصادية عميقة تضمن تحقيق نمو مستدام وتجاوز الإشكاليات الهيكلية.
وفي تفاعله مع مداخلات النواب، ثمّن وزير الاقتصاد والتخطيط تقديرهم للجهود التي تبذلها الوزارة وإطاراتها ومصالحها، مؤكدا حرصها على مواصلة العمل وتحمل مسؤولياتها. وأوضح أن الملفات المتعلقة بمشاريع التنمية المندمجة والمصادقة على المشاريع العمومية تتم معالجتها حالة بحالة، مع الانفتاح على مختلف المقترحات والبحث الجدي عن الحلول الممكنة لتجاوز الإشكاليات المطروحة.
وشدد الوزير على أولوية استكمال المشاريع المتواصلة، وخاصة برامج التنمية المندمجة والجهوية، وفق الموارد المتوفرة، مع تعزيز التنسيق بين مختلف الأطراف المتدخلة لضمان حسن التنفيذ وتسريع نسق الإنجاز. كما أشار إلى تواصل الوزارة مع الوزارات المعنية لحثها على استكمال المشاريع المرتبطة بقطاعات أخرى والممولة بقروض خارجية.
وفيما يتعلق بتحسين الحوكمة الاستثمارية، أفاد الوزير بأن الوزارة تعمل على تطوير الترابط البيني بين مختلف مصالحها ودفع المتدخلين العموميين إلى اتخاذ إجراءات عملية لتحسين ترتيب تونس وفق المؤشرات الدولية للتنافسية. كما أشار إلى تسجيل تقدم في إنجاز عدد من المشاريع الكبرى خلال السنتين الأخيرتين، على غرار قنطرة بنزرت والطريق السيارة تونس-جلمة، بفضل التنسيق بين مختلف الوزراء والهياكل المعنية وتجاوز الصعوبات التي اعترضت التنفيذ.
وأوضح أن بعض المشاريع شهدت تعطيلات بسبب إشكاليات مع المقاولين، تم العمل على تجاوزها وتسويتها وفق الآليات والإجراءات القانونية، بما أتاح استئناف تنفيذها.
وبخصوص هجرة الكفاءات التونسية، أكد الوزير ضرورة تحقيق التوازن بين حاجة البلاد إلى كفاءاتها وحقها في تحسين ظروف عيشها وتحقيق طموحاتها المهنية، معتبرا أن الهجرة يمكن أن تمثل فرصة لدعم الاقتصاد الوطني عبر تحويلات التونسيين بالخارج وما يكتسبونه من خبرات وتجارب دولية، بما يمكن توظيفه عند العودة أو من خلال بعث مشاريع ومبادرات تنموية.
أما بشأن مراجعة مجلة الصرف وقانون الاستثمار ومجلة المياه، فقد أوضح الوزير أن الإشكال لا يرتبط بالنصوص القانونية فحسب، بل يشمل أيضا الأوامر والإجراءات التطبيقية التي تستوجب المراجعة والتبسيط والتطوير، مؤكدا أن هذه النصوص بلغت مراحل متقدمة من الإعداد وسيتم إحالتها إلى البرلمان خلال الفترة القادمة.
كما أعلن عن العمل على تطوير المنصة الرقمية الوطنية للاستثمار ووضعها حيز الاستغلال في فيفري 2027، بما يسهل نفاذ المستثمرين إلى المعلومات والفرص الاستثمارية ويثمن المزايا التفاضلية للجهات. وأشار كذلك إلى مواصلة استحثاث نسق إنجاز المشاريع المبرمة بشأنها اتفاقيات استثمارية، وتسوية الإشكاليات العقارية والفنية والإدارية والمالية، وتحيين الاتفاقيات والرزنامات التنفيذية عند الاقتضاء، إلى جانب مراجعة الاتفاقيات الدولية للاستثمار والشروع في التفاوض بشأن اتفاقيات جديدة وتعزيز التعاون مع المنظمات الدولية وتبادل الخبرات.
واختتم نواب اللجنتين الجلسة بالتأكيد على أهمية الدور الاستراتيجي لوزارة الاقتصاد والتخطيط في ضبط الخيارات والأهداف التنموية الكبرى وإعداد المخططات وتعبئة التمويلات الضرورية لتنفيذ المشاريع، بما يستوجب رؤية شاملة واستشرافية قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية العالمية والاستجابة لمتطلبات التنمية الوطنية والجهوية

الملفات المرفقة :

مقالات أخرى