عقد مجلس نواب الشعب صباح اليوم الاثنين 27 أفريل 2026 جلسة عامة برئاسة العميد إبراهيم بودربالة رئيس مجلس نواب الشعب، وبحضور السيّد منذر بلعيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي والوفد المرافق له. وتضمّن جدول الأعمال توجيه 04 أسئلة شفاهية إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي وذلك عملاً بأحكام الفصل 114 من الدستور والفصل 130 من النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب.
وفي مستهلّ الجلسة، بيّن العميد إبراهيم بودربالة، رئيس مجلس نواب الشعب، أنّ تقدير مكانة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ينطلق من قناعة راسخة ووعي بأهمية وجسامة الدور الذي يُرتقب أن تضطلع به في الارتقاء بالبلاد على مختلف الأصعدة، وذلك من خلال ما هو موكول إليها من مهام وصلاحيات، في مقدمتها إرساء السياسات في قطاع التعليم العالي والبحث العلمي وتنفيذها، إلى جانب رسم الإصلاحات المتصلة بضمان الجودة في هذا القطاع الذي يُعدّ مصدراً لخلق المعرفة ونشرها وبناء القدرات في شتى الاختصاصات، لاسيما المستحدثة منها، بما يجعله ليس فقط رافعة لتنمية المجالات التربوية والتعليمية والاقتصادية، بل أيضاً عاملاً رئيسياً لإدماجها في سلاسل القيمة والاقتصاد العالمي.
كما أبرز أنّ هذا الدور يرتكز أساساً على المكانة المحورية للموارد البشرية ضمن الخيارات المعتمدة لما بعد 25 جويلية، مبيّناً أنّ رؤيته للجامعة التونسية تقوم على جعلها منارة علمية ومصدراً للكفاءات والاختصاصات التي يتطلبها سوق الشغل الوطني والدولي، فضلاً عن دورها كفضاء للبحث والدراسات المعمّقة، خاصة في المجالات المرتبطة بالتحولات التكنولوجية والرقمية.
وفي هذا الإطار، شدّد على ضرورة مضاعفة الجهود، في إطار العمل التشاركي بين مختلف وظائف الدولة، للقضاء تدريجياً على أسباب الإحباط لدى فئة واسعة من الشباب، بما يكرّس إرجاع الأمل وترسيخ ثقافة الطموح والتحدي والتعويل على الذات والتطلع إلى الأفضل.
وبيّن وزير التعليم العالي في إجابته أنّ الوزارة بذلت مجهودات هامة في مجال الجودة بهدف تحسين تصنيف الجامعات التونسية على المستويين العربي والدولي، مؤكداً أنّ استراتيجية الوزارة ترتكز على التأهيل وإعادة التأهيل وربط التكوين بسوق الشغل، بما يدعم قابلية تشغيل الطلبة وينمّي مهاراتهم المهنية.
وفيما يتعلّق بتشغيل حاملي الدكتوراه، أوضح الوزير أنّه تمّ فتح مناظرات لانتداب 1350 خطة، مبرزاً أنّ عدد الانتدابات يظلّ مرتبطاً بإمكانيات الدولة وبالتوازنات المالية بالتنسيق مع وزارة المالية ورئاسة الحكومة. كما أشار إلى أنّ الأمر عدد 4259 لسنة 2013 صدر في سياق استثنائي بعد الثورة، ومكّن من انتداب عدد محدود من الباحثين في مراكز البحث خارج الإطار التقليدي المنظّم لسلك المدرّسين الباحثين.
وأضاف أنّ الوزارة تعمل على ترشيد استغلال الفضاءات الجامعية والبنية التحتية المتوفّرة، مبيّناً أنّه فيما يخصّ المعهد العالي للتمريض بالقيروان، يتمّ حالياً انتظار صدور الأوامر المتعلقة بإحداث مؤسسات التمريض، على أن تتكفّل وزارة الصحة بالبنايات والتجهيزات، مع مواصلة العمل على تحسين توظيف الفضاءات الجامعية بالجهة وإحداث مؤسسات جامعية جديدة.
وفي تعقيبه، اعتبر النائب أنّ عدد الانتدابات المبرمجة لا يستجيب للتطلعات، داعياً إلى الترفيع فيها سيما ان عدد الدكاترة المعطلين عن العمل يناهز 5000، كما أوصى بضرورة الإيفاء بالالتزامات المعلنة، وطالب بالإسراع في تهيئة المعهد العالي للتمريض بالقيروان.
وأبرز الوزير في إجابته أنّ ولاية قفصة تضمّ 13 مؤسسة جامعية، مبيّناً أنّ جزءاً من هذه المؤسسات يشغل مقرات دائمة على ملك الدولة، في حين يواصل عدد منها نشاطه في فضاءات مؤقتة أو مستأجرة. وأشار إلى أنّ الوزارة تتابع وضعية هذه المؤسسات ميدانياً، حيث تمّت زيارة الجهة في فيفري الماضي لمواصلة متابعة المشاريع عبر لجنة مختصة.
وبيّن أنّه تمّ رصد اعتمادات تناهز 85 مليون دينار لإنجاز عدد من المشاريع، من أبرزها المعهد العالي للفنون والحرف بقفصة الذي بلغت نسبة تقدّم أشغاله 55%، والمعهد التحضيري للدراسات الهندسية الذي بلغت نسبة إنجازه 25% رغم بعض الإشكاليات مع المقاولين، إلى جانب مشاريع أخرى في طور المتابعة أو إعداد الدراسات، على غرار المدرسة الوطنية للمهندسين والمعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا. كما أشار إلى صعوبات إجرائية مرتبطة بطول مسار الدراسات وضعف الإقبال على طلبات العروض، خاصة في قفصة وتوزر، مما استوجب التوجّه نحو مراجعة بعض النصوص المنظمة للصفقات العمومية.
وأضاف أنّه تمّ أيضاً رصد اعتمادات لبناء مبيت جامعي جديد بقفصة، والعمل على دعم التأطير البيداغوجي بإسناد 159 خطة أستاذ مساعد لجامعتي قفصة وقابس، إلى جانب العمل على إحداث مخابر بحث لتعزيز التوازن في الخارطة الجامعية.
وفي تعقيبه، شدّد النائب على ضرورة محاسبة المسؤولين عن تعطّل المشاريع لما يسببه ذلك من إهدار للمال العام وتضخّم في الكلفة، داعياً إلى تكريس مبدأ المساءلة ومقاومة الفساد، كما طرح إشكالية تصنيف جامعة قفصة وأكّد على أهمية التزام المدرّسين الباحثين بتعزيز البحث العلمي داخل مؤسساتهم، بما يكرّس السيادة العلمية ويضمن الارتقاء بالأداء الجامعي.
وفي إجابته أوضح وزير التعليم العالي أنّ منظومة الانتداب والترقية مؤطرة بنصوص قانونية واضحة، على غرار الأمر عدد 1825 لسنة 1993 والمنقّح بالأمر عدد 749 لسنة 2023، والذي مكّن من تبسيط الإجراءات واعتماد مرحلتين في المناظرات (انتقاء أولي ثم التناظر). وبيّن أنّ لجان الانتداب تتكوّن من 5 أعضاء (3 منتخبين و2 معيّنين) لضمان التوازن، مع اعتماد آليات دقيقة للنظر في التظلّمات تقوم على الفرز ودراسة الملفات والاستماع للمعنيين وطلب تقارير عند الاقتضاء.
وأضاف أنّ الوزارة اتخذت إجراءات جديدة لتعزيز الشفافية، من بينها إعداد دليل موحّد للمناظرات، وإلزام أعضاء اللجان بالتصريح بعدم تضارب المصالح، إلى جانب مراجعة شبكات التقييم. كما أشار إلى إخضاع القطاع لعمليات تدقيق، مع اتخاذ إجراءات لإنصاف بعض المترشحين وإعادة النظر في نتائج سابقة.
واعتبر النائب في تعقيبه أنّ هذه الإجراءات تظلّ شكلية ولا تعالج جوهر الإشكال، داعياً إلى إصلاحات أعمق تقوم أساساً على تغيير شامل للجان التي تحوم حولها شبهات فساد، بما في ذلك الأعضاء المنتخبين، مؤكداً أنّ الإبقاء عليهم من شأنه أن يمسّ من مصداقية المنظومة الجامعية ويُضعف الثقة فيها.
وأبرز الوزير في إجابته أنّ الوزارة تعمل على تطوير المسار الجامعي، من خلال مراجعة شروط إسناد المنح ومدة الإقامة الجامعية بما يستجيب لحاجيات الطلبة. وفي ولاية باجة، أشار إلى وجود 4 مؤسسات جامعية ، وتحصّل معهد العلوم التكنولوجية على اعتماد دولي وأوروبي في مجال الجودة، إلى جانب مشروع لتوسعة المعهد العالي للدراسات التكنولوجية، ودراسة جدوى لإحداث مؤسسة جامعية جديدة تتلاءم مع الخصوصيات الاقتصادية للجهة.
كما بيّن أنّ الوزارة تسعى إلى تطوير التكوين، خاصة في مجالات الهندسة والإعلامية، وربطه بمتطلبات سوق الشغل، مع الحرص على تحقيق توازن بين الجهات في توزيع المؤسسات الجامعية. وأوضح أنّ إحداث مؤسسات الطب والتمريض يندرج ضمن مشمولات وزارة الصحة، في إطار توفير الاختصاصات والظروف الملائمة، بما يخدم الحاجيات الوطنية والدولية للتشغيل.
وفي تعقيبه، انتقد النائب محدودية تدخل الوزارة، معتبراً أنّها تكتفي بانتظار قرارات رؤساء الجامعات، وداعياً إلى مزيد التدقيق والمتابعة، وعدم ترك الملفات بيد الهياكل الجامعية فقط، مع التأكيد على ضرورة تحقيق العدالة والتوازن بين الجهات، خاصة في مؤسسات الطب والصحة.
وأشار إلى أنّ بلوغ الأهداف المرجوّة في هذا القطاع الحيوي يظلّ رهين تكاتف الجهود، ومزيد إحكام العمل بجدّية ونجاعة، إلى جانب مراجعة توجهات البرامج المعتمدة بمؤسسات التعليم العالي، والانفتاح على التخصصات الحديثة المرتبطة بالرقمنة والابتكار والذكاء الاصطناعي، بما يستجيب لمتطلبات سوق الشغل داخلياً وخارجياً.
كما شدّد على ضرورة توحيد جهود مختلف مؤسسات الدولة لوضع رؤية استشرافية للتعليم العالي واستراتيجية متكاملة للبحث العلمي، تقوم على فتح آفاق أوسع أمام الطاقات الشبابية وتثمين دور البحث العلمي في دعم القدرات الإنتاجية وتعزيز مقومات التنمية الاقتصادية والاجتماعية