عقدت لجنة التخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة والنقل والبنية التحتية والتهيئة العمرانية يوم الاثنين 13 أفريل 2026 جلسة خصصتها للاستماع إلى ممثلين عن المنظمة الوطنية لروّاد الأعمال حول مقترح قانون يتعلق بتنقيح وإتمام القانون عدد 71 لسنة 2016 المتعلق بقانون الاستثمار.
وترأس الجلسة السيد صابر الجلاصي رئيس اللجنة بحضور السيد طارق المهدي نائب الرئيس والسيد صالح السالمي المقرر وأعضاء اللجنة السادة طارق الربعي وسفيان بن حليمة ومعز برك الله وسامي الحاج عمر وشفيق عزالدين الزعفوري، بالإضافة إلى عدد من النواب من غير أعضائها.
كما واكب هذه الجلسة السيدة سنية بن مبروك النائب مساعد الرئيس المكلف بشؤون النواب، والسيد عادل البوسالمي النائب مساعد الرئيس المكلف بالعلاقات مع الوظيفة القضائية والهيئات الدستورية والوطنية.
وفي بداية الجلسة، ذكّر رئيس اللجنة بمسار دراسة مقترح القانون وبجلسات الاستماع التي عقدتها سواء مع جهة المبادرة أو مع عدد من المنظمات، مؤكدا عزم اللجنة على مواصلة سلسلة جلساتها وفق منهجية تشاركية، وحرصها على بذل كل الجهود للتعمّق في دراسة هذه المبادرة التشريعية الهامة واستكمال النظر فيها خلال الأسابيع القادمة.
وأبرز رئيس المنظمة الوطنية لروّاد الأعمال في مفتتح مداخلته، الأهمية التي يكتسيها مقترح هذا القانون لما يعكسه من مرافقة جادة لمسار تحسين مناخ الاستثمار في تونس، مثمّنا حرص لجنة التخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة والنقل والبنية التحتية والتهيئة العمرانية على تشريك مختلف الفاعلين، من منظمات وطنية ومنظمات أعراف وهياكل مهنية، بما يعكس مقاربة تشاركية تعطي صورة أقرب للواقع الفعلي لقطاع الاستثمار ببلادنا.
وأكد أن المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من مستوى التشخيص والحوار إلى مستوى أسرع وأعمق من التنفيذ، معتبرا أنّ التحدي الحقيقي اليوم لم يعد في تعدد الرؤى، بل في سرعة تحويلها إلى قرارات فعلية تطبق على أرض الواقع. وأضاف أنّ الاستثمار قبل أن يكون أرقاما ومشاريع هو قرار ثقة في الدولة وفي مدى استقرار القوانين ووضوح الرؤية لأن المستثمر اليوم، سواء كان تونسيا أو أجنبيا، لا يحتاج إلى الامتيازات فقط ، بل أيضا إلى القدرة على التخطيط على المدى المتوسط، وإلى إطار قانوني واضح وثابت وإلى دولة تكون بمثابة الشريك الفعلي.
كما أكد رئيس المنظمة أن المسؤولية في هذا الإطار جماعية ولا بد أن يبعث نص القانون بإشارات قوية قادرة على إعادة بناء الثقة وفتح دورة جديدة للاستثمار بما يضمن الوضوح وقابلية التموقع، لأن الغموض هو العدو الأول للاستثمار. وأوضح أن هذا يتطلب السرعة المطلوبة في اتخاذ القرارات وفي تنفيذ الإجراءات وتكريس مبدأ العدالة وتكافئ الفرص بين كل الفاعلين، بالإضافة إلى ضرورة بعث رسالة واضحة للتونسي قبل الأجنبي حتى يستثمر ببلاده في إطار من الشفافية والوضوح وهو مطمئن.
وأكّد في هذا السياق ضرورة إحداث نقلة نوعية في مناخ الاستثمار في تونس، حيث ترى المنظمة الوطنية لرواد الأعمال أن تحسين الإجراءات التقليدية لا يكفي، وأنه لا بد من تبنّي إصلاحات جريئة وثورية تعيد تعريف علاقة الدولة بالمستثمر وتكسر منطق التعقيد الإداري نحو منطق الثقة والنتائج، وذلك من خلال اعتماد منظومة الترخيص الصامت، وإحداث رقم موحد للمستثمر، وإرساء عقد ثقة اقتصادي بين الدولة والمستثمر يكون فيه التزام متبادل. وأشار كذلك إلى العمل على إلغاء الترخيص في القطاعات غير الاستراتيجية وتعويضه بالتصريح، وتمكين الجهات من لعب دور اقتصادي حقيقي عبر تحويلها إلى أقاليم تنافسية، وإحداث منصة وطنية موحدة للاستثمار، واعتماد نظام تمويل حديث قائم على الأداء، وتطوير مؤشر وطني دوري لثقة الاستثمار يقيس سرعة الإدارة ونسبة التعطيل ورضا المستثمرين.
ودعا رئيس المنظمة إلى ضرورة الالتفات إلى أبنائنا بالخارج من الجالية التونسية، وخاصة في دول الخليج، والتعامل معهم كشريك استراتيجي في التنمية باعتبار ما يمثلونه من إمكانيات مالية وخبرات عالية وشبكات علاقات دولية وقدرة على فتح الأسواق، وضرورة العمل على تمكينهم من عروض وطنية جذابة تجعلهم يرون تونس كفرصة استثمارية حقيقية، وذلك عبر جملة من الآليات والتسهيلات والحوافز.
وأضاف أنّه لا بد من التفكير في كيفية تحويل ما يشهده العالم من اضطرابات وأزمات إلى فرص استثمارية بالنسبة إلى تونس، موضحا أن الارتفاع في مخاطر الطاقة وتعطّل سلاسل التوريد عادة ما يدفع الشركات العالمية والمستثمرين إلى البحث عن مواقع بديلة تكون أكثر استقرارا وأقرب للأسواق وأقل كلفة، وأن تونس تستطيع في هذه المرحلة وأمام هذه الأوضاع أن تتموقع بذكاء إن تحركت بسرعة.
وبيّن أن المنظمة تقترح في هذا الاطار جملة من الإجراءات العاجلة خلال 3 إلى 6 أشهر أهمها القيام بإصلاحات مؤسساتية وتشريعية عبر إنشاء مركز مالي دولي بقانون تجاري حديث واعتماد نظام جبائي تنافسي لجذب المؤسسات العالمية وتسريع فض النزاعات التجارية في أقل من 6 أشهر ، وإصلاح منظومة الصرف وتسهيل حركة رؤوس الأموال ومنح تراخيص سريعة للبنوك الدولية وتركيز أدوات جذب المستثمرين وإطلاق تأشيرة مستثمر سريعة وإحداث وكالة وطنية لكبار المستثمرين، بالإضافة إلى اعتماد نظام جبائي خاص بالشركات القابضة وإطلاق حزمة طوارئ استثمارية وإحداث مناطق حرة، مع تسريع الاستثمار في السياحة البديلة والطاقة المتجددة.
من جهة أخرى، أوضح ممثلو المنظمة أنه رغم الإصلاحات المنجزة، ما يزال مناخ الاستثمار في تونس يواجه عدة تحديات منها تعقيد الإجراءات الإدارية وتعدد المتدخلين وبطء معالجة الملفات وغياب آجال ملزمة، بالإضافة إلى عدم استقرار الإطار الجبائي وضعف النفاذ إلى التمويل وغياب توجيه استراتيجي واضح للاستثمار، وهذا يحتاج إلى منوال تنموي جديد يقوم على اقتصاد منتج للقيمة ومستدام لتقليص التبعية الطاقية والاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية بالإضافة إلى دعم الاقتصاد الأخضر.
كما دعوا إلى ضرورة إرساء اقتصاد رقمي ومبتكر وتنمية جهوية متوازنة من خلال توجيه الاستثمار نحو الجهات الداخلية لتقليص الفوارق الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق شراكة فعّالة وناجعة بين الدولة والقطاع الخاص.
وأفاد ممثلو المنظمة أنه لتحسين مناخ الاستثمار لابد من الاعتماد على القطاعات الاستراتيجية المرتكزة على الطاقات المتجددة والفلاحة ذات القيمة المضافة والاقتصاد الرقمي والتكنولوجيات الحديثة. واقترحوا في هذا الإطار جملة من الإصلاحات الهيكلية التي تتعلق أساسا بتبسيط الإجراءات من خلال اعتماد مبدأ التصريح بدل الترخيص وإقرار الصمت الإداري الإيجابي وبعث منصة رقمية موحدة للمستثمر وتكريس الاستقرار الجبائي بضمان نظام جبائي قار وتركيز منظومة تمويل عبر صناديق استثمار جهوية وتوجيه تمويلات للقطاعات الاستراتيجية، بالإضافة إلى إرساء عدالة اقتصادية عبر بعث دوائر قضائية مختصة وتكريس الحوكمة ببعث هيئة وطنية موحدة للاستثمار.
وإثر تقديم جملة من الملاحظات والمقترحات التعديلية لفصول مقترح القانون، أكد ممثلو المنظمة أن الهدف الأساسي من كل ما تقدموا به هو البحث عن الآليات التشريعية الناجعة للرفع من حجم الاستثمارات وخلق المزيد من مواطن الشغل واستدامتها، بالإضافة إلى تحسين الميزان التجاري ودعم الأمن الطاقي والغذائي وتسريع التحول الرقمي، معتبرين أن المراجعة الجذرية لقانون الاستثمار تمثل أداة أساسية لإرساء منوال تنموي جديد يقوم على مبدأ الوضوح والسرعة والثقة والتوجه الاستراتيجي، يحتذى به وجاذب للاستثمار الوطني والخارجي.
وفي مداخلاتهم، ثمّن النواب الملاحظات والمقترحات المقدمة من قبل المنظمة الوطنية لرواد الأعمال، مبرزين الأهمية التي تكتسيها مثل هذه الجلسات باعتبارها تندرج في إطار تكريس مبدأ التشاركية والاستئناس بآراء كل الجهات ذات العلاقة بمضامين وأبعاد هذا المقترح بهدف إثرائه، وذلك حتى تتمكّن اللجنة من التوصّل في نهاية أعمالها إلى صيغة توافقية تضمن أوفر حظوظ نجاح تطبيقها على أرض الواقع وكذلك تحقيق المأمول منها وبالتالي الرقي لبلادنا في شتى المجالات.
كما أكدوا أن اللجنة منفتحة على كل الآراء والمقترحات لإثراء مقترح هذا القانون بما يمكّن من إرساء منظومة استثمارية متطورة وناجعة.
ودعا عدد من النواب إلى ضرورة تنقيح عدد من النصوص القانونية الجاري بها العمل والتي لم تعد مواكبة للتطورات التي يشهدها عالم الاقتصاد والمال حاليا ولما نعيشه من تحوّل رقمي بنسق متسارع، مؤكدين استعدادهم للعمل في إطار من التعاون والتكامل بين الوظيفتين التشريعية والتنفيذية وفق رؤية استراتيجية جديدة تحقّق قفزة نوعية للاقتصاد الوطني.
وفي ختام جلستها، قررت لجنة التخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة والنقل والبنية التحتية والتهيئة العمرانية مواصلة النظر في مقترح هذا القانون.