عقدت لجنة المالية والميزانية جلسة يوم 20 أفريل 2026 استمعت خلالها إلى ممثلين عن وزارة المالية حول مقترح القانون المتعلق بإصدار مجلة الصرف.
وحضر الجلسة رئيس اللجنة السيد ماهر الكتاري، ونائب الرئيس السيد ظافر الصغيري، والمقررة السيدة زينة جيب الله، إلى جانب أعضاء اللجنة السيدة آمال المؤدب، والسادة عصام شوشان، ومحمد أمين الورغي، وعلي زغدود، ومسعود قريرة، ومصطفى البوبكري، والنوري الجريدي، ومحمد بن حسين، وعدد من النواب من غير أعضاء اللجنة.
وفي مستهل الجلسة، بيّن رئيس اللجنة أن هذا المشروع يأتي في سياق تراكمي قائم على التشاور والتفاعل مع مختلف المتدخلين، حيث تم الاستناد إلى خلاصات لقاءات وندوات سابقة أفرزت جملة من التصورات والمقترحات. وأكد أن مجلة الصرف المنتظرة مطالبة بالاستجابة لحاجيات مختلف الفاعلين الاقتصاديين، بما يحقق التوازن بين متطلبات الاقتصاد الوطني وضرورات الانفتاح، مع ضرورة أن تعكس التحولات التي شهدها الإطار المنظم للتجارة الخارجية وأن تتضمن إضافات تشريعية نوعية تعزز نجاعتها وتكفل حسن تنظيم المعاملات الصرفية.
كما أكد ضرورة أن تكون مجلة الصرف المرتقبة ثمرة عمل تشاركي بين الوظيفتين التنفيذية والتشريعية، يقوم على التنسيق والتكامل وتبادل الرؤى بما يضمن صياغة نص متوازن وقابل للتطبيق. وشدد على ضرورة توسيع حلقة النقاش لتشمل مختلف المتدخلين والفاعلين الاقتصاديين والماليين، إضافة إلى الهياكل المهنية والخبراء، بما يثري محتوى المشروع ويعزّز نجاعته واستجابته لمتطلبات الواقع الاقتصادي.
وخلال مداخلاتهم، استعرض ممثلو وزارة المالية مسار تطوّر مجلة الصرف منذ صدورها سنة 1976، مبرزين ما عرفته من إصلاحات تدريجية، خاصة منذ سنة 1993 على مستوى تحرير العمليات الجارية، إلى جانب تعديلات طالت بعض عمليات رأس المال في إطار منظومة تنظيمية يشرف عليها البنك المركزي التونسي. وأوضحوا أن مسار التحرير يقوم على تلازم بين تحرير المعاملات الجارية وتحرير حساب رأس المال، وهو ما يفرض اعتماد رؤية شمولية تأخذ بعين الاعتبار التوازنات الاقتصادية الكلية، ووضعية العملة الوطنية، ومستوى الاحتياطي من العملة الأجنبية.
كما أشاروا إلى أن مشروع الإصلاح يتضمن أحكامًا ترمي إلى تأطير استثمار الأجانب في تونس وتنظيم استثمارات المؤسسات التونسية بالخارج، بما يوفر وضوحًا أكبر للإطار القانوني ويعزز جاذبيته. وتم التأكيد على أن بعض الفئات، خاصة المؤسسات الناشئة، استفادت من إجراءات خصوصية منذ سنة 2018، بما في ذلك إمكانية فتح حسابات بالعملة الأجنبية تُموّل من عائدات التصدير والأرباح والتحويلات المرتبطة بالاستثمار، وهو ما يعكس توجها نحو دعم المبادرة والاستثمار والانفتاح الاقتصادي.
وشدّد ممثلو الوزارة على أن إصلاح منظومة الصرف يقتضي اعتماد مقاربة تدريجية حذرة، تقوم على تقييم مستمر للمخاطر، خاصة المرتبطة بتحرير المعاملات المالية مع الخارج، بما يضمن الحفاظ على استقرار العملة الوطنية وتفادي الضغوط على ميزان الدفوعات والاحتياطي من العملة الأجنبية. وأكدوا أن خيار التحرير الكامل لا يتلاءم مع الظرف الاقتصادي الحالي، مبرزين ضرورة ربط درجة الانفتاح بتطور المؤشرات الاقتصادية الأساسية، وعلى رأسها الإنتاج والاستثمار والتصدير والادخار.
كما بيّنوا أن الإصلاح المنشود ينبغي أن يستجيب لحاجيات المتعاملين الاقتصاديين ويوفر مناخًا مطمئنًا للمستثمرين، مع تأكيد أهمية انسجام مجلة الصرف مع بقية المنظومة التشريعية الوطنية والالتزامات الدولية، خاصة في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ومن جانبه، أشار ممثل الإدارة العامة للديوانة إلى جملة من الإيجابيات التي يتضمنها المشروع، خاصة فيما يتعلق بإقرار مبدأ التناسب بين المخالفة والعقوبة، إلى جانب إدراج آلية “التسوية” كخيار عملي لمعالجة الوضعيات المخالفة. وفي المقابل، عبّر عن بعض التحفظات، لا سيما بخصوص إسناد إثارة الدعوى العمومية إلى النيابة العمومية بدل الإدارة العامة للديوانة، معتبرا أن ذلك قد يطرح صعوبات عملية بالنظر إلى خصوصية الملفات الصرفية، وقد يؤثر على نجاعة التتبع وإمكانية الطعن، فضلاً عن إشكالية الآجال القانونية للإثارة.
وخلال النقاش، تطرّق النواب إلى جملة من الإشكاليات والرهانات المرتبطة بإصلاح منظومة الصرف، حيث أكدوا أن مجلة الصرف تمثل أولوية تشريعية ملحة، غير أنهم شددوا على ضرورة اعتماد مقاربة إصلاحية تدريجية تضمن التدرج في التطبيق وتفادي الاضطرابات المحتملة، بدل المرور إلى إصلاح شامل ومفاجئ قد لا يستوعبه الواقع الاقتصادي.
كما أثار النواب مسألة تعدد النصوص القانونية ذات الصلة بمجال الصرف والتجارة الخارجية، معتبرين أن غياب الانسجام بينها يمثل أحد أبرز الإشكاليات، وهو ما يستوجب مراجعة شاملة لهذه النصوص في اتجاه تحقيق التكامل والتناسق بينها. وأكدوا كذلك على أهمية التسريع في إعداد وإصدار النصوص التطبيقية المصاحبة للمجلة، حتى لا تبقى أحكامها دون تفعيل فعلي.
وفي سياق متصل، عبّر عدد من النواب عن انشغالهم بتأخر عرض مشروع مجلة الصرف الذي أعدته الحكومة في فترات سابقة، متسائلين عن أسباب هذا التأخير، خاصة وأنه تم الإعلان عن جاهزيته في أكثر من مناسبة، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى تقدم الإصلاحات في هذا المجال.
كما تطرق النقاش إلى مسألة القيود المفروضة على العمليات الصرفية، حيث دعا عدد من النواب إلى التخفيف منها بشكل مدروس، معتبرين أن الإفراط في القيود يساهم في توسع الاقتصاد الموازي ويحد من جاذبية الاستثمار. وفي المقابل، شدد آخرون على ضرورة توخي الحذر في أي توجه نحو التحرير، حتى لا تكون له انعكاسات سلبية على التوازنات المالية.
وتناول النقاش كذلك مدى ملاءمة الإطار التشريعي الحالي مع التحولات الاقتصادية والمالية، حيث تم التأكيد على أن التطورات التي شهدها الاقتصاد العالمي، وخاصة في مجال الرقمنة والخدمات المالية، تفرض مراجعة عميقة للمنظومة الحالية حتى تكون أكثر مواكبة للواقع.
ومن بين المسائل التي أثارها النواب أيضًا، مسألة عدم اعتماد نظام الدفع الإلكتروني الدولي PayPal، حيث تم التساؤل عن أسباب هذا التعطل، ومدى ارتباطه بالإطار التشريعي أو بالقيود الصرفية، مع التأكيد على أهمية إدماج مثل هذه الآليات في إطار تحديث المنظومة المالية وتعزيز اندماج تونس في الاقتصاد الرقمي العالمي.
وفي ردودهم، أوضح ممثلو وزارة المالية أن إصلاح منظومة الصرف يندرج ضمن رؤية شاملة لا يمكن فصلها عن بقية الإصلاحات التشريعية والاقتصادية، مؤكّدين أن المشروع ما يزال قيد الدرس والتشاور نظرًا لتعدد الأطراف المتدخلة. كما شددوا على أن أي إصلاح يجب أن يوازن بين متطلبات الانفتاح وحتمية الحفاظ على التوازنات الاقتصادية.
وأكدوا في الختام ضرورة أن تراعي المجلة مختلف المخاطر وأن تنسجم مع الالتزامات الدولية، خاصة في مجال مكافحة غسل الأموال، مع التأكيد على اعتماد مقاربة تدريجية في أي توجه نحو التحرير.
وفيما يتعلق باستثمارات المؤسسات التونسية بالخارج، بيّنوا أن التعامل يتم وفق مقاربة انتقائية تقوم على دراسة كل مشروع على حدة، مع تقييم مردوديته ومدى قدرته على تحقيق عائدات يمكن إعادة توظيفها داخل الاقتصاد الوطني.
وفي ختام الجلسة، دعا رئيس اللجنة مختلف المتدخلين إلى مدّ اللجنة بملاحظاتهم ومقترحاتهم الكتابية بخصوص مشروع مجلة الصرف، ولا سيما الفصول المضمنة بها، وذلك في أجل معقول، قصد تجميعها ودراستها بما يساعد على مزيد تدقيق أحكام المشروع وتحسين صياغته