عقدت لجنة الفلاحة والأمن الغذائي والمائي والصيد البحري جلسة كامل يوم الخميس 21 ماي 2026، خصّصتها للاستماع إلى ممثلي كل من الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري والمجمع المهني للفلاحة التابع لكنفدرالية المؤسسات المواطنة التونسية لتقديم رؤية استباقية لإنقاذ منظومات اللحوم والألبان والزراعات الكبرى وإعادة هيكلة القطيع والبحث عن حلول لإصلاح منظومة زيت الزيتون وخاصة الترفيع في الاستهلاك المحلي من هذا المنتوج، وذلك برئاسة السيد حسن الجربوعي وبحضور السيد خالد حكيم مبروكي، نائب الرئيس، والسيدة سيرين بوصندل، المقرر، والسادة عمر بن عمر، والطاهر بن منصور، ومحمد بن سعيد وعبد الستار الزارعي ورشدي الرويسي وحمزة بالضيافي، أعضاء اللجنة. كما حضر هذه الجلسة السيد وليد الحاجي، نائب مساعد للرئيس مكلف بالعلاقات مع المواطن ومع المجتمع المدني. إضافة إلى عدد من النواب من غير أعضاء اللجنة.
وخلال الجلسة الصباحية، ذكّر رئيس اللجنة بمنهجية عمل اللجنة خلال هذه الدورة النيابية والتي ترتكز على ضبط الأهداف ومعالجة الاشكاليات وفق نظرة استباقية والحرص على عدم تكرار الأخطاء السابقة بالتنسيق والتعاون مع ممثلي الوظيفة التنفيذية خاصة في ظل ما تشهده المنظومات الفلاحية من تراجع في الإنتاج وارتفاع مشط في الاسعار.
وأكّد ممثلو الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري في مداخلاتهم أنّ السياسات المتعاقبة التي شهدها القطاع الفلاحي في تونس منذ فترة الاستقلال من اشتراكية وليبرالية وإصلاحات هيكلية وخوصصة وعدم صموده أمام هذه السياسات المتغيرة، أدت إلى تراجع هذا القطاع خاصة في ظل غياب رؤية استراتيجية للنهوض به وتطويره.
وقدموا رؤية الاتحاد للنهوض بالقطاع الفلاحي وحماية الثروة الحيوانية في تونس، تضمنت خاصة التحديات المستقبلية التي تواجهها السيادة الغذائية عموما والفلاحة خصوصا والتي من أبرزها التغيرات المناخية وتسارع وتيرتها، والارتباط بالأسواق العالمية المتغيرة باستمرار، وتزايد الحاجيات الوطنية نتيجة تغير للسلوكيات الاستهلاكية وتنامي التركيز على عناصر الجودة والسلامة الغذائية وكذلك تطور القطاع السياحي، إضافة إلى التغيرات في الأهمية الاقتصادية والاجتماعية للثروة الحيوانية وبروز أهمية رفاهية الحيوان والاهمية الثقافية. وأكدوا أنّه بات من الضروري بلورة تصور لإنقاذ القطاع في علاقة بإرساء سياسة تنمية فلاحية ضمن منوال تنموي وطني متجدد يرتكز على تحرير المبادرة ودفع الاستثمار والإنتاج والتشغيل وتحسين القدرة الشرائية للمواطن ويعزز دور السيادة الغذائية في الحفاظ على الأمن الشامل.
كما تطرقوا إلى الصعوبات التي تشهدها منظومة اللحوم كالارتفاع المتزايد في تكلفة الإنتاج وتدني المردودية الاقتصادية لقطاع التسمين بسبب اختلال التوازن بين مكونات كلفة الإنتاج وأسعار بيع المنتوجات ذات الأصل الحيواني وعزوف المربين وخروجهم بصفة متصاعدة من دائرة تربية الأغنام ومن دورة الإنتاج الوطني، إلى جانب تردي البنية التحتية لأسواق الدواب والمسالخ وتنامي ظاهرة الذبح العشوائي خاصة بالنسبة للإناث، وغياب برامج جدية للتحسين الوراثي وتطوير مردودية السلالات المحلية.
واقترحوا للنهوض بمنظومة اللحوم الحمراء، تأهيل القطاع وتحسين مناخ الإنتاج من خلال تمكين المربين من منحة تشجيعية وإدراج نشاط تسمين الخرفان ضمن الأنشطة التي يتمّ تمتيعها بالقروض الموسمية وتسهيل إجراءات الحصول عليها ووضع برنامج وطني خصوصي يتعلّق بتوفير كميات من الخرفان لمواسم ذروة الاستهلاك وترويجها بمسالك منظّمة ودعم مربي الأغنام "الرّحل" بتمكينهم من أولوية كراء الأراضي الدولية المحاذية للجبال وذات الخصائص الرعوية نظرا لخبرتهم وتعلقهم بنشاط تربية الأغنام والماعز، واعتماد المشاريع المندمجة في إطار شراكة مع المسالخ ونقاط بيع اللحوم وعقود تزويد ذات أولوية في كراء الأراضي الدولية والقروض العقارية، وتحفيز الاستثمار في أنشطة التربية المكثفة للمجترات الصغرى بما يساعد على الحدّ من حساسية هذا النشاط للتغيرات المناخية ويمكّن من توظيف التقنيات الحديثة للرفع من الإنتاجية وتثمين نتائج البحوث العلمية، وإعداد وتنفيذ برنامج للتحسين الوراثي.
كما اقترحوا تطوير الجانب التشريعي والتنظيمي للقطاع للتصدي لعمليات السرقة و النهب والاعتداء على المربين وتطويق ظاهرة الذبح العشوائي لإناث الأغنام والماعز والأبقار وصغار الخرفان والتوقي من تأثيراتها السلبية على القطيع والوضع الصحي والبيئي والشروع جديا في تأهيل وتنظيم المسالخ ومراجعة طرق التصرف فيها والتحكم في أعمال الذبح غير القانونية وتنظيم وتأهيل أسواق الدواب وفتحها نهارا عوض الليل بما يتيح للمربين الذهاب لها ومراجعة آليات التصرف فيها، وتمكين الجامعة الوطنية لمربي الأغنام بالاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري من الإشراف على برنامج وطني، في إطار عقد برنامج مع الدولة، لتنمية قطاع المجترات الصغرى.
وخلال النقاش، استفسر النواب عن أسباب تواصل الوضع المتأزم لمنظومات الإنتاج رغم توفر الرؤى الإصلاحية وتعدد الخبرات والكفاءات ووضع التشريعات اللازمة للنهوض بالقطاع الفلاحي خاصة على مستوى اجراءات قوانين المالية، وأرجعوا ذلك إلى غياب الإرادة في التغيير والبطء في أخذ القرار وعدم القدرة على استنباط هذه الرؤى الإصلاحية.
وبخصوص واقع منظومتي اللحوم والألبان وتراجع القطيع، بيّن النواب أنّ ذلك يعود إلى عدم الإحاطة بالفلاح وغياب الجانب التوعوي بضرورة الحفاظ على الثروة الحيوانية خاصة من حيث التصدي لعمليات الذبح العشوائي وإعادة هيكلة المسالخ والبحث عن آليات جديدة لتشجيع الفلاح على تربية الأبقار وإعادة تكوين القطيع.
وأثاروا إشكالية الارتفاع المشط لأسعار اللحوم الحمراء خاصة مع اقتراب عيد الإضحى المبارك، ودعوا إلى ضرورة دعم الفلاح والضغط على كلفة الإنتاج خاصة من حيث البحث عن مدخلات بديلة للأعلاف. كما شدّدوا على ضرورة وضع خارطة فلاحية والنهوض بكافة المنظومات الفلاحية والاستعداد الجيد للمواسم خاصة مع اقتراب موسم الحصاد وتأمين إجلاء الصابة وتأهيل مراكز التجميع وحسن الاستعداد لموسم زيت الزيتون من حيث تأطير الفلاح والحد من تصدير زيت الزيتون السائب ووضع استراتيجية واضحة للرفع من الاستهلاك الوطني من هذا المنتوج. وأوصوا بضرورة توظيف نتائج البحث العلمي للصدي إلى الأمراض والأوبئة التي أصبحت تهدد ثروتنا الحيوانية وكذلك النباتية على غرار الحشرة القرمزية وتمكين الفلاحين الشبان أصحاب الشهائد العليا من الاستثمار في الأراضي الدولية في شكل شركات أهلية وتشجيع الفلاحة العائلية.
وخلال الجلسة المسائية، أكد ممثلو المجمع المهني للفلاحة التابع لكنفدرالية المؤسسات المواطنة التونسية أنّ كل المنظومات الفلاحية تشهد انهيارا وتراجعا في الإنتاج في ظل تراجع دعم الدولة وتأخر إصدار النصوص الترتيبية المتعلقة بإجراءات قوانين المالية حول القطاع الفلاحي.
وبخصوص منظومة الزراعات الكبرى، أفادوا بأنّ صابة الحبوب للموسم الحالي تنبئ بوفرة في الإنتاج بالرغم من أنّ بداية الموسم كانت متعثرة من حيث محدودية توفير البذور الممتازة ونقص الأمونيتر والDAP وارتفاع كلفة الإنتاج. ودعوا إلى ضرورة وضع خطة ناجعة لتجاوز التحديات القادمة خاصة فيما يتعلق بتجميع الصابة وتخزينها والحد من نسبة الضياع وتوفير معدات العمل اللازمة خاصة صيانة آلات الحصاد المتقادمة وضرورة تجديدها وتأهيل مراكز التجميع والرفع من طاقة الخزن وتنويعها وتشديد المراقبة على مخازن التجميع والتصدي لعمليات الغش في الميزان. وأكّدوا ضرورة المحافظة على البذور الممتازة وخزنها بطريقة علمية لضمان حسن الاستعداد للموسم القادم.
وأوضحوا ومن جهة أخرى أنّ منظومة اللحوم والألبان، تشهد انهيارا من حيث التحسين الوراثي وتحقيق الإكتفاء الذاتي من اللحوم، وأرجعوا تواصل تأزم هذه المنظومة إلى اشكالية الأعلاف وخاصة مادة السداري سواء من حيث عدم توفرها بالكميات الكافية أو من حيث ضعف قيمتها الغذائية. ورأوا أنّ إصلاح هذه المنظومة يرتكز على إعادة تكوين القطيع وترقيمه وسن نص قانوني ينظم سوق الدواب ومراجعة شروط إحداث المسالخ وتوفير الأعلاف اللازمة وتحسين جودتها.
كما أكّدوا ضرورة الإحاطة بالفلاح ودعمه من حيث الإرشاد والتكوين وتمكينه من مصادر التمويل، واقترحوا في هذا الإطار العمل على استرجاع برنامج التنمية الريفية لتشجيع الفلاح على مواصلة دورة الإنتاج وتنشيط المجال الريفي خاصة المناطق الجبلية.
وتطرّقوا إلى منظومة زيت الزيتون، مؤكدين ضرورة الرفع من مستوى الاستهلاك المحلي من هذه المادة، واقترحوا توجيه الدعم من الزيت النباتي المورد إلى زيت الزيتون وتمكين التونسيين من الاستفادة أكثر من هذا المنتوج الصحي. كما دعوا إلى العمل على تطوير مبادرة الضيعات البيداغوجية الرامية إلى تقريب الناشئة من الطبيعة وغرس ثقافة حماية البيئة، واقترحوا تأطيرها بنص قانوني.
كما أفادوا أنّ المجمع بصدد إعداد مقترح قانون أساسي لتنظيم مهنة الفلاح الذي من شأنه أن يحقق نقلة نوعية لواقع الفلاح والفلاحة التونسية.
من جانبهم، أكد النواب ضرورة وضع استراتيجية واضحة ومتكاملة لإنقاذ المنظومات الفلاحية خاصة من حيث توفير البذور الممتازة وتوظيف نتائج البحث العلمي لاسترجاع البذور التونسية الأصلية، ووضع برامج توعوية لفائدة الفلاح للحد من الأسمدة والأدوية الكيميائية والعمل على الرفع من خصوبة التربة بطرق طبيعية كالتداول الزراعي. كما طالبوا مد اللجنة برؤية إصلاحية وحلول عاجلة لإنقاذ المواسم القادمة