لجنة المالية والميزانية تعقد جلسة استماع حول مشروع القانون المتعلق بمكافحة الإقصاء المالي

عقدت لجنة المالية والميزانية جلسة يوم الجمعة 26 جوان 2026 للاستماع إلى ممثلين عن وزارة المالية وممثلين عن سلطة رقابة التمويل الصغير والهيئة العامة للتأمين، وذلك حول مشروع القانون المتعلق بمكافحة الإقصاء المالي.
وحضر الجلسة رئيس اللجنة السيد ماهر الكتاري ونائبه السيد ظافر الصغيري، وكل من السيدات والسادة آمال المؤدب ومحمد بن حسين ومصطفى البوبكري ومحمد زياد الماهر، إلى جانب عدد من النواب من غير أعضاء اللجنة.
وفي مستهل الجلسة، أكد رئيس اللجنة أن مشروع القانون المعروض يعد من مشاريع القوانين الإصلاحية ذات الأهمية الاستراتيجية، باعتبار انّه يهدف الى تعزيز الإدماج المالي والاقتصادي والاجتماعي ومكافحة مختلف مظاهر الإقصاء المالي، بما يضمن توسيع نفاذ المواطنين والمؤسسات الاقتصادية إلى الخدمات المالية والمصرفية بصورة أكثر عدالة ونجاعة، ويكرس دور المنظومة المالية في دعم الاستثمار والتنمية والحدّ من التفاوت الاجتماعي والجهوي. وأضاف أن هذا المشروع يكتسي خصوصية تشريعية باعتباره مشروعا أفقيا يتقاطع مع عدد من النصوص القانونية المنظمة للقطاع المالي، ويقتضي مراجعة وتحيين جملة من الأحكام المتعلقة خاصة بقطاع التمويل الصغير، والبنك المركزي التونسي، وقطاع التأمين، وخدمات الدفع، بما يستوجب الحرص على الحفاظ على انسجام المنظومة التشريعية وتكاملها.
وشدد في هذا الإطار، على أهمية أن تعكس النصوص الترتيبية التي ستصدر تطبيقا لهذا القانون إرادة المشرع وروح الأحكام التي سيقرها مجلس نواب الشعب، بما يضمن عدم التداخل بين المجال التشريعي والمجال الترتيبي، ويحافظ على اختصاص السلطة التشريعية.
إثر ذلك، تولت ممثلة وزارة المالية تقديم عرض مفصل حول مشروع القانون، موضحة أنه يندرج في إطار برنامج الإصلاحات الحكومية الرامي إلى تنشيط الاقتصاد الوطني، وتحسين مناخ الأعمال والاستثمار، وتعزيز الإدماج المالي والاقتصادي والاجتماعي، باعتباره أحد المقومات الأساسية لتحقيق تنمية أكثر عدالة.
وأفادت بأن المشروع يستهدف أساسا الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل، والأشخاص ذوي الإعاقة، وأصحاب الحرف والمهن، إضافة إلى المؤسسات متناهية الصغر والصغيرة التي تواجه صعوبات في النفاذ إلى الخدمات المالية، وذلك من خلال تطوير الإطار القانوني والمؤسساتي بما يمكن هذه الفئات من الانتفاع بخدمات مالية ومصرفية ورقمية، إلى جانب الخدمات غير المالية، بما يدعم مساهمتها في الدورة الاقتصادية، ويساعد على إحداث مواطن الشغل والتقليص من التفاوت الجهوي والحد من مختلف مظاهر التهميش.
وأضافت أن إعداد هذا المشروع جاء استنادا إلى تشخيص دقيق لواقع الإدماج المالي في تونس، كشفت نتائجه أن مستوى الإدماج المالي ما يزال دون المأمول، إذ بينت الدراسة المرجعية المنجزة سنة 2018 أن حوالي 60 بالمائة فقط من الأشخاص الذين تفوق أعمارهم ثمانية عشر عاما يتعاملون مع المؤسسات البنكية أو البريدية، في حين لا تتجاوز نسبة مستعملي وسائل الدفع غير النقدية 17 بالمائة، ولا تتعدى نسبة مستعملي الخدمات المالية عبر الهاتف الجوال 3 بالمائة، بينما لا تتجاوز نسبة المنتفعين بتأمين اختياري خارج منظومة التأمين الإجباري 2 بالمائة، وهو ما يعكس محدودية استعمال مختلف الخدمات المالية مقارنة بالإمكانات المتاحة.
وأوضحت أن هذه الدراسات أظهرت كذلك أن أبرز أسباب الإقصاء المالي تتمثل في عدم ملاءمة عدد من الخدمات المالية لحاجيات المواطنين، وارتفاع كلفة الخدمات المالية، ونقص المعلومات المتعلقة بها، وضعف منظومة حماية مستهلكي الخدمات المالية، إلى جانب محدودية الثقافة المالية، بما يجعل من الضروري اعتماد مقاربة تشريعية شاملة تعالج مختلف هذه الإشكاليات.
وفي هذا السياق، استعرضت ممثلة وزارة المالية الاستراتيجية الوطنية للإدماج المالي للفترة 2018-2022، مبينة أنها ارتكزت على ستة محاور رئيسية تتمثل في تطوير التمويل الرقمي والدفع عبر الهاتف الجوال، ودعم التأمين الصغير، وتوفير آليات تمويل لفائدة مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وتعزيز التثقيف المالي وحماية مستهلكي الخدمات المالية، وتوفير آليات تمويل لمؤسسات التمويل الصغير، وإرساء منظومة لمتابعة الإنجاز وتقييم الأثر بما يضمن نجاعة السياسات العمومية في مجال الإدماج المالي.
وأفادت بأن مشروع القانون يمثل أحد أهم مخرجات هذه الاستراتيجية، ويتضمن أربعة محاور إصلاحية كبرى تتمثل في دعم النفاذ إلى المنتجات والخدمات المالية واستعمالها، وتعزيز دور السلطات الرقابية على القطاع المالي، وتدعيم حماية مستهلكي الخدمات المالية ونشر الثقافة المالية، إلى جانب ترشيد التداول نقدا وتعزيز خدمات الدفع والوسائل الرقمية.
وأضافت أن المشروع يقترح توسيع مجال تدخل مؤسسات التمويل الصغير حتى يشمل، إضافة إلى الأشخاص الطبيعيين، المؤسسات الصغرى، ومؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، والشركات الأهلية، مع تمكين هذه المؤسسات من ممارسة أنشطة جديدة، على غرار خدمات الدفع، والوساطة في التأمين، وتسويق منتجات الادخار لفائدة البنوك والديوان الوطني للبريد، بما يساهم في تقريب الخدمات المالية من المواطنين وتعزيز الإدماج المالي الرقمي.
كما أوضحت أن المشروع يتضمن إجراءات تهدف إلى دعم الادخار الصغير، وتطوير آليات تعبئة الموارد لفائدة مؤسسات التمويل الصغير، وتمكينها من الانتفاع بصندوق تغطية مخاطر الصرف بالنسبة إلى القروض الخارجية، فضلا عن تطوير منظومة التأمين عبر توسيع مسالك توزيع عقود التأمين، وتأطير الاكتتاب عن بعد، والتوسع في الاكتتاب الجماعي بما يمكن الفئات محدودة الدخل من الانتفاع بخدمات تأمينية بكلفة أقل وإجراءات أكثر مرونة.
وأبرزت كذلك أن المشروع يعزز صلاحيات مختلف السلط الرقابية، ويكرس مبادئ الشفافية وحماية مستهلكي الخدمات المالية، ويولي أهمية خاصة للتثقيف المالي باعتباره أحد المقومات الأساسية لتحقيق إدماج مالي فعلي ومستدام، إلى جانب دعمه للانتقال نحو وسائل الدفع الإلكتروني والحد من التداول نقدا.
وفي السياق ذاته، أشارت ممثلة وزارة المالية إلى أهمية قرار وزيرة المالية الصادر بتاريخ 26 ديسمبر 2025، والمتعلق بتحديد سقف لسعر الفائدة السنوية المطبقة على التمويلات الصغرى المسندة من موارد غير متأتية من ميزانية الدولة، مؤكدة أن هذا القرار يمثل خطوة عملية تندرج ضمن التوجهات الإصلاحية الرامية إلى حماية الفئات الهشة ومحدودة الدخل من نسب الفائدة المشطة، وإرساء توازن بين ضمان استدامة مؤسسات التمويل الصغير والمحافظة على حق المنتفعين في الحصول على تمويلات بكلفة معقولة، بما يعزز الأهداف التي يرمي إليها مشروع القانون في مجال مكافحة الإقصاء المالي.
ومن جهتها، بينت ممثلة الهيئة العامة للتأمين أن مشروع القانون يمثل خطوة هامة نحو تعزيز الإدماج التأميني، من خلال تنويع مسالك توزيع عقود التأمين، وذلك بإسناد صفة وسيط تأمين لمشغلي الشبكات العمومية للاتصالات للهاتف الجوال في إطار اتفاقيات نموذجية تبرم مع مؤسسات التأمين، بما من شأنه تقريب الخدمات التأمينية من مختلف الفئات وتيسير النفاذ إليها. وأضافت أن المشروع يكرس كذلك مبدأ التوسع في الاكتتاب الجماعي ليشمل جميع أصناف التأمين، بعد أن كان مقتصرا على التأمين على الحياة والتأمين على المرض، بما يتيح للفئات محدودة الدخل الانخراط في منظومات تأمين بكلفة أقل وإجراءات أكثر بساطة، فضلا عن تعزيز التثقيف المالي من خلال برامج وآليات تضعها السلط الرقابية والجمعيات المهنية للقطاع المالي بالتنسيق مع المجلس الوطني للإدماج المالي، مشيرة في هذا الإطار إلى المبادرات التكوينية التي تم إنجازها لفائدة عدد من مكونات المجتمع المدني، على غرار جمعية المكفوفين ومنظمة الدفاع عن المستهلك.
كما أفاد ممثل سلطة رقابة التمويل الصغير بأن نسبة الفائدة المعتمدة من قبل مؤسسات التمويل الصغير لا تقتصر على الفائدة المجردة، وإنما تشمل كذلك مختلف التكاليف المرتبطة بإعداد الملفات والتأمين وغيرها من المصاريف، وهو ما يقتضي اعتماد النسبة الشاملة الفعلية للفائدة باعتبارها المؤشر الأدق لتقييم كلفة التمويل. وأكد في هذا الإطار ضرورة العمل على استقرار هذه النسبة وضمان شفافيتها، مبينا أن معدلها الحالي يناهز 25 بالمائة، غير أنه مرشح للتراجع بداية من السداسية الثانية من السنة الجارية بفضل قرار وزيرة المالية المتعلق بتسقيف نسب الفائدة السنوية على التمويلات الصغرى المسندة من موارد غير متأتية من ميزانية الدولة. كما أبرز أن سلطة الرقابة تمارس رقابة صارمة على مؤسسات التمويل الصغير، تصل إلى إلزامها بإرجاع المبالغ المستخلصة بغير وجه حق للحرفاء عند ثبوت اعتماد نسب فائدة مشطة، مضيفا أن القطاع يسجل مؤشرات إيجابية، حيث تتجاوز نسبة استخلاص القروض 95 بالمائة، في حين لا تتجاوز نسبة المتأخرين عن السداد لأكثر من ثلاثين يوما 2 بالمائة.
وعقب العروض، دار نقاش مستفيض بين أعضاء اللجنة وممثلي الهياكل المتدخلة، أكد خلاله النواب أهمية مشروع القانون التي لا تقتصر على ما يتضمنه من أحكام جديدة، وإنما تمتد إلى كيفية تنزيلها على أرض الواقع، وهو ما يجعل من الضروري أن تكون النصوص الترتيبية التي ستصدر تطبيقا له منسجمة بصورة كاملة مع نية المشرع وروح القانون، بما يضمن عدم التداخل بين الاختصاص التشريعي والاختصاص الترتيبي، ويحافظ على المكانة الدستورية للوظيفة التشريعية، خاصة وأن المشروع يتناول مجالات متعددة ويعدل أحكاما تهم عددا من النصوص القانونية الأساسية المنظمة للقطاع المالي.
وأكد النواب، في سياق متصل، أن قطاع التمويل الصغير ينبغي أن يحافظ على رسالته الاجتماعية، وأن يظل موجها بالأساس إلى تمويل الفئات الهشة ومحدودة الدخل وأصحاب المبادرات الصغرى، في إطار مقاربة تنموية تراعي خصوصية هذه الفئات، وتعمل على تبسيط الإجراءات الإدارية والتخفيف من الأعباء المحمولة عليها، بما يمكنها من النفاذ الفعلي إلى التمويل وتحويله إلى رافعة للإنتاج والتشغيل والاندماج الاقتصادي.
واستأثر واقع المنظومة البنكية بجانب هام من النقاش، حيث اعتبر عدد من النواب أن نسب الإدماج المالي ما تزال دون المستوى المنشود، وأن عددا هاما من المواطنين لا يزال خارج المنظومة البنكية بسبب ارتفاع العمولات الموظفة على الخدمات البنكية وشروط الانتفاع بالقروض، وهو ما يحد من قدرة الأفراد والمؤسسات الصغرى على النفاذ إلى التمويل ويضعف نجاعة السياسات العمومية الرامية إلى تحقيق الإدماج المالي.
ودعوا إلى معالجة هذه الإشكاليات في إطار رؤية إصلاحية شاملة توازن بين مقتضيات السلامة المالية ومتطلبات تحقيق الشمول المالي.
وفي السياق ذاته، خصص جانب مهم من النقاش لمقترح إحداث بنك بريدي، حيث أكد عدد من النواب أن شبكة مكاتب البريد المنتشرة بكامل تراب الجمهورية تمثل رصيدا وطنيا يمكن توظيفه لتعزيز الإدماج المالي، من خلال توفير خدمات بنكية أكثر قربا من المواطنين، ولاسيما بالمناطق الداخلية، وإسناد قروض ميسرة لفائدة المؤسسات الصغرى والمتوسطة، وتطوير خدمات الادخار والدفع الرقمي، بما يدعم النشاط الاقتصادي ويحد من الفوارق الجهوية. واعتبروا أن إدراج باب خاص بالبنك البريدي ضمن مشروع القانون من شأنه أن يفتح آفاقا جديدة لتطوير المنظومة المالية الوطنية والاستفادة من الإمكانيات التي يوفرها البريد التونسي في مجال تقريب الخدمات المالية.
كما شدد النواب على أهمية تعميم وسائل الدفع الإلكتروني، وخاصة أجهزة الدفع الإلكتروني (TPE)، باعتبارها إحدى الآليات الأساسية للحد من التداول النقدي وترسيخ الاقتصاد الرقمي، مؤكدين في المقابل أن نجاح هذا التوجه يظل رهينا بمراجعة الكلفة التي يتحملها التجار، إلى جانب تكثيف برامج التثقيف المالي، وإرساء سياسات أكثر نجاعة لتوجيه المدخرات والموارد المالية نحو الاستثمار المنتج ودعم المبادرة الخاصة.
وفي تفاعلهم مع مختلف الملاحظات، أوضح ممثلو وزارة المالية أن عددا من المقترحات المثارة خلال النقاش، رغم وجاهتها، تندرج ضمن إصلاحات هيكلية أوسع للقطاع المالي والبنكي، ولا يمكن لمشروع القانون الحالي أن يعالجها بمفرده، باعتباره يمثل لبنة ضمن مسار إصلاحي متكامل.
وأوضحوا بخصوص أجهزة الدفع الإلكتروني، أن الهدف من تعميمها يتمثل أساسا في الحد من التداول النقدي وتعزيز استعمال وسائل الدفع الحديثة، غير أن الإشكال الأساسي لا يكمن في توفر هذه الأجهزة، وإنما في ارتفاع العمولات المسلطة على التجار، وهو ما يجعل عددا منهم يحجمون عن اعتمادها. وأضافوا أن الإشكال يرتبط أيضا بوجود وضع شبه احتكاري في سوق خدمات الدفع، بما يستوجب فتح المجال أمام مزيد من المنافسة بما يسمح بتخفيض الكلفة وتحسين جودة الخدمات.
وأكد ممثلو الوزارة، في سياق متصل، أن التحدي الحقيقي للإدماج المالي لا يتمثل في مجرد فتح الحسابات البنكية، وإنما في ضمان استعمالها بصفة منتظمة والاستفادة الفعلية من مختلف الخدمات المالية، وهو ما يفرض تعزيز الثقافة المالية وتشجيع المواطنين على استعمال الخدمات البنكية والرقمية بصورة أوسع.
كما أفادوا بأن العمل متواصل على تنفيذ برنامج لإعادة هيكلة الجمعيات التنموية ومؤسسات التمويل الصغير حتى تتمكن من الاضطلاع بدور أكبر في تمويل الفئات الهشة والمؤسسات الصغرى، بما يعزز مساهمتها في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وبخصوص مقترح البنك البريدي، أوضح ممثلو وزارة المالية أن المسألة تكتسي بعدا استراتيجيا ولا يمكن حسمها في إطار مشروع القانون الحالي، مؤكدين أن البريد التونسي يؤدي دورا محوريا داخل المنظومة المالية الوطنية، وأن أي توجه نحو إحداث بنك بريدي أو تعزيز مساهمته في رأس مال بنك قائم يقتضي دراسة معمقة لمختلف الجوانب القانونية والاقتصادية والمالية، إلى جانب توفير توافق واسع بين مختلف الأطراف المتدخلة، بما يضمن نجاح هذا الخيار وتحقيق الأهداف المرجوة منه.
وفي ختام الجلسة، أكد ممثلو وزارة المالية أن الغاية الأساسية من مشروع القانون تتمثل في إرساء إدماج مالي حقيقي وفعّال يضمن وصول الخدمات المالية إلى جميع المواطنين، وخاصة بالمناطق الداخلية، من خلال حلول مبتكرة ورقمية تستجيب لحاجيات الأفراد والمؤسسات الاقتصادية، بما يعزز النمو الاقتصادي ويكرس العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة بين مختلف الجهات.
وفي جانب آخر من الجلسة، وافقت اللجنة على مشروعي القانونين المتعلقين باتفاقيتي ضمان لفائدة الشركة التونسية للكهرباء والغاز، عددي 38 و39 لسنة 2026، واللذين طُلب فيهما استعجال النظر

الملفات المرفقة :

مقالات أخرى