عقدت لجنة المالية والميزانية جلسة يوم 21 جويلية 2026، للاستماع إلى رئيس مدير عام شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي التونسي وممثلين عن وزارة الاقتصاد والتخطيط ووزارة الصناعة والطاقة والمناجم حول مشروع قانون يتعلق بالموافقة على اتفاقية الضمان المبرمة بتاريخ 3 نوفمبر 2025 بين الجمهورية التونسية والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية والمتعلقة بالقرض المسند إلى شركة فسفاط قفصة للمساهمة في تمويل مشروع اقتناء معدات منجمية حديثة وتركيز وحدة متطورة للترشيح بالضغط العالي لمعالجة المياه المستعملة CAPSA ومشروع قانون يتعلق بالموافقة على اتفاقية الضمان المبرمة بتاريخ 1 ديسمبر 2025 بين الجمهورية التونسية والمؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة والمتعلقة باتفاقية المرابحة المبرمة بين المجمع الكيميائي التونسي والمؤسسة المذكورة للمساهمة في تمويل استيراد اسمدة ومشروع قانون يتعلق بالموافقة على اتفاقية الضمان المبرمة بتاريخ 2 ديسمبر 2025 بين الجمهورية التونسية والمؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة والمتعلقة باتفاقية المرابحة المبرمة بين المجمع الكيميائي التونسي والمؤسسة المذكورة للمساهمة في تمويل استيراد اسمدة.
وحضر الجلسة رئيس اللجنة ماهر الكتاري ونائب رئيس اللّجنة ظافر الصغيري ومقرّرة اللجنة زينة جيب الله، وأعضاء اللجنة السادة والسيدة أمال المؤدب ومحمد زياد الماهر وعصام شوشان وعلي زغدود ومصطفى بوبكري. ومحمد أمين الورغي وإبراهيم حسين ومحمد بن حسين وعدد من غير أعضاء اللجنة.
واستهلت اللجنة أشغالها بالنظر في مشروع القانون المتعلق بالموافقة على اتفاقية القرض المبرمة بين شركة فسفاط قفصة والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية لتمويل مشروع CAPSA، حيث قدم ممثلو وزارة الصناعة والمناجم والطاقة وشركة فسفاط قفصة عرضا مفصلا حول أهداف المشروع ومكوناته الفنية والمالية. وأبرزوا أن المشروع يندرج في إطار برنامج إصلاح قطاع الفسفاط من خلال تحديث وسائل الإنتاج والرفع في الطاقة الاستخراجية بحوالي 30 بالمائة، وتجديد أسطول المعدات والآليات المنجمية، واعتماد وحدات للترشيح بالضغط العالي تمكن من الترفيع في نسبة استرجاع المياه الصناعية من نحو 60 بالمائة إلى أكثر من 90 بالمائة، بما يعزز الاستدامة البيئية ويحسن استغلال الموارد المائية.
كما تم تقديم المعطيات المتعلقة بالاتفاقية، التي تبلغ قيمتها 110 ملايين أورو بضمان من الدولة، مع تخصيص الجزء الأكبر من التمويل لاقتناء المعدات والآليات وإنجاز وحدات الترشيح، إلى جانب استعراض البرنامج الزمني لتنفيذ المشروع والمكاسب المنتظرة منه، وفي مقدمتها الرفع من الإنتاج، وتحسين الكفاءة التشغيلية، والاقتصاد في استهلاك المياه، وتخفيض كلفة الإنتاج.
في افتتاح النقاش، أكد رئيس اللجنة أن النهوض بقطاع الفسفاط والصناعات الكيميائية يظل رهين إرساء حوكمة ناجعة داخل المؤسستين، تقوم على الشفافية وحسن التصرف والمساءلة، بما يعزز قدرتهما على استعادة توازنهما المالي والاضطلاع بدورهما الاستراتيجي في دعم الاقتصاد الوطني. وشدد في هذا السياق على ضرورة تمكين اللجنة من القوائم المالية المحينة والمصادق عليها، وتقارير مراقبي الحسابات، وكل الوثائق المالية ذات الصلة، حتى يتسنى لأعضائها تكوين رؤية دقيقة وموضوعية حول الوضعية الحقيقية لكل من شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي التونسي، وتقييم نجاعة التمويلات العمومية الموجهة إليهما ومدى قدرتهما على الإيفاء بالتزاماتهما المالية، بما يضمن اتخاذ قرارات تشريعية ورقابية تستند إلى معطيات دقيقة وموثوقة
وتناول النقاش مختلف الجوانب المتصلة بمشروع القانون وبواقع قطاع الفسفاط، وتمحورت أساسا حول تقييم أسباب التراجع الذي عرفه القطاع خلال السنوات الأخيرة، من خلال التطرق إلى مسائل الحوكمة والتصرف، والوضعية المالية لشركة فسفاط قفصة، ومدى قدرتها على استعادة توازناتها، فضلا عن جدوى التمويل موضوع الاتفاقية في معالجة الإشكاليات الهيكلية التي تعاني منها الشركة. كما استفسر النواب عن مستويات الإنتاج، وكلفة الاستخراج والتحويل، ومدى تناسب الموارد البشرية مع الطاقات الإنتاجية، إلى جانب تقدم برامج تأهيل وحدات الإنتاج والغسل والرفع من مردوديتها.
كما أولى النواب اهتماما خاصا بمنظومة نقل الفسفاط وضرورة تقييم مآل التمويلات السابقة المخصصة لتطويرها، واستشراف الحلول الكفيلة بتحسين نجاعتها، بما في ذلك مشروع النقل الهيدروليكي. وتطرقت المداخلات كذلك إلى الجوانب البيئية، ولا سيما التصرف في الموارد المائية والحد من التأثيرات البيئية للنشاط المنجمي والصناعات التحويلية، إضافة إلى الدعوة إلى بلورة رؤية استراتيجية شاملة للنهوض بقطاع الفسفاط، ترتكز على الاستفادة من التجارب الدولية، وتعزيز الشراكات الاقتصادية، وإشراك الجامعات ومراكز البحث والأقطاب التكنولوجية في تطوير القطاع والرفع من تنافسيته واستدامته.
وفي ردّهم على استفسارات النواب، أكد الرئيس المدير العام لشركة فسفاط قفصة أن المؤسسة تواجه أزمة هيكلية نتجت عن تراجع الإنتاج وتراكم الخسائر وتقادم التجهيزات والاضطرابات الاجتماعية، وهو ما انعكس على وضعيتها المالية وقدرتها التشغيلية. وأوضح أن الأولوية الحالية تتمثل في استعادة نسق الإنتاج تدريجيا وضمان استمرارية النشاط، مع تنفيذ برنامج لإعادة تأهيل المعدات وتحسين منظومة النقل والتزود بالمواد الضرورية، بالتوازي مع مراجعة منظومة الحوكمة والموارد البشرية بما يرفع الإنتاجية ويعزز تنافسية المؤسسة. كما أبرز أن القطاع يمتلك احتياطيات هامة تؤهله لاستعادة مكانته الاستراتيجية، وأن اللجوء إلى تصدير الفسفاط الخام أو توريده لا يمثل سوى حلول ظرفية تفرضها متطلبات المرحلة.
وأضاف أن المؤسسة تعمل على إعداد استراتيجية إصلاح شاملة تستند إلى تشخيص ميداني دقيق، تتضمن أهدافا تدريجية للرفع من الإنتاج واستعادة التوازنات المالية وتحقيق الاستدامة البيئية، مع الشروع في تنفيذها إثر استكمال الدراسات اللازمة والمصادقة عليها. وأكد أن نجاح هذا المسار يقتضي توفير حد أدنى من الاستقرار لمعالجة الملفات العاجلة، وفي مقدمتها صيانة المعدات، وتسوية الإشكاليات القانونية، وضمان استمرارية النشاط. ومن جهتها، أوضحت ممثلة وزارة الاقتصاد والتخطيط أن تعبئة التمويلات لفائدة المؤسسات العمومية أصبحت ترتبط أكثر من أي وقت مضى بسلامة وضعيتها المالية، واستكمال قوائمها المالية، وتحسين حوكمتها، والالتزام بالمعايير البيئية، باعتبارها شروطا أساسية لتعزيز ثقة الممولين وضمان النفاذ إلى التمويلات الدولية.
وتم التصويت بالموافقة بأغلبية الأعضاء الحاضرين على مشروع القانون المذكور.
ثم واصلت اللجنة النظر في مشروعي القانونين المتعلقين بالموافقة على اتفاقيتي التمويل المبرمتين بين المجمع الكيميائي التونسي والمؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة، حيث بين ممثلو المجمع الكيميائي أن الاتفاقيتان توفران تمويلا جملته 120 مليون دولار أمريكي مخصصّ حصريا لتأمين التزود بمادتي الكبريت والأمونياك، بما يضمن استمرارية نشاط الوحدات الصناعية والمحافظة على نسق إنتاج الأسمدة، دون توظيف هذه الموارد في تمويل النفقات الجارية أو تغطية العجز المالي للمؤسسة.
وأكد ممثلو المجمع المكانة الاستراتيجية للمؤسسة في دعم الأمن الغذائي وتوفير العملة الصعبة والمحافظة على مواطن الشغل، موضحين أن الاتفاقيتان ستساهمان في تأمين انتظام التزود بالمواد الأولية، والحد من الضغوط على السيولة، وتوفير الظروف الملائمة لتوجيه جزء أكبر من الموارد نحو الاستثمار وتجديد وسائل الإنتاج.
وتناول النواب، خلال النقاش، الوضعية العامة للمجمع الكيميائي التونسي. وتمحورت التساؤلات بالأساس حول تحديات الحوكمة والتصرف، وضرورة استكمال إصلاح منظومة القيادة داخل المجمع، إلى جانب وضعيته المالية ومدى قدرته على استيعاب التمويل المزمع تعبئته، مع المطالبة بتوفير معطيات دقيقة حول مديونيته ومستحقاته لدى الحرفاء. كما تطرقت المداخلات إلى وضعية الشركة التونسية الهندية للأسمدة، مؤكدين الحاجة إلى معالجتها في إطار رؤية شاملة لإعادة الهيكلة تأخذ بعين الاعتبار الجوانب التقنية والمالية والتجارية، بما يضمن استمرارية نشاطها ودورها في دعم الصناعات الكيميائية الوطنية.
وفي ردّهم على تساؤلات النواب، أكد الرئيس المدير العام للمجمع الكيميائي التونسي أن المؤسسة تمر بوضعية مالية حرجة نتيجة تراكم الخسائر وتراجع الإنتاج خلال السنوات الماضية، مما أدى إلى استنزاف مواردها وارتفاع حجم مديونيتها. وأوضح أن الإشكال الأساسي لا يكمن في توفر الفسفاط، وإنما في تقادم التجهيزات ووسائل الإنتاج، وهو ما يستوجب تنفيذ برنامج استثماري واسع لإعادة تأهيل المجمع وتطوير بنيته الصناعية والبيئية. كما بيّن أن شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي يمثلان منظومة متكاملة، وأن استعادة نسق الإنتاج المبرمج ستسهم في تحسين التزود بالمواد الأولية. وفيما يتعلق بعقود المرابحة، أوضح أنها تعتمد على شراء الممول للتجهيزات أو المواد وإعادة بيعها للمؤسسة بهامش ربح معلوم، وفق صيغ التمويل الإسلامي، مع إمكانية مراجعة الكلفة في حالة السداد المبكر، مؤكدا كذلك العمل على تعزيز التعاون مع الجزائر وليبيا لتأمين التزود بالمواد الأولية وتطوير الشراكات الصناعية.
كما أفاد ممثلو المؤسسة بأن تطوير القطاع يقتضي معالجة الاختلالات المرتبطة بالموارد البشرية والحوكمة، في ظل ارتفاع كتلة الأجور مقارنة بمستويات الإنتاج، إلى جانب مراجعة الإطار القانوني للمؤسسات العمومية بما يوفر مرونة أكبر في التصرف والاقتناء. وأكد الرئيس المدير العام أن المؤسسة بصدد استكمال إعداد استراتيجية إصلاح شاملة تستند إلى تشخيص دقيق للإشكاليات، على أن يتم تنفيذها في أفق يمتد بين خمس وسبع سنوات بهدف استعادة التوازن المالي والرفع من الإنتاجية وضمان استدامة القطاع، مع إعطاء الأولوية حاليا لتأمين استمرارية النشاط ومعالجة الملفات العاجلة. ومن جهتها، أوضحت ممثلة وزارة الاقتصاد والتخطيط أن تعبئة التمويلات لفائدة المؤسسات العمومية أصبحت أكثر تعقيدا، مما يستوجب تحسين الحوكمة، واستكمال إعداد القوائم المالية، والالتزام بالمعايير البيئية، باعتبارها شروطا أساسية لتعزيز ثقة الممولين وضمان النفاذ إلى التمويلات الدولية.
وقد تم التصويت بالموافقة بإجماع الحاضرين على مشروعي القانونين المذكورين