• البرلمان في إطار مبدأ التفريق بين السلط والأنظمة السياسية

    لا يمكن التعريف بدور البرلمان ووظائفه من دون الرجوع إلى المبادئ الأساسية التي تحكم التنظيم الدستوري والمؤسسي السائد في دولة ما والتي قد تشمل كامل المنظومة السياسية للدولة (بما في ذلك نظام وواقع الأحزاب والمؤسسات ومجموعات الضغط وغيرها من المؤثرات).
    وتصنف الأنظمة السياسيّة أكاديميا وفق معايير عدة تتصل إما بطبيعتها (أنظمة أوليغارشية أو أنظمة ديمقراطية) أو بطريقة التداول على السلطة فيها (أنظمة ملكية أو أنظمة جمهورية) أو بتوزيع السلطات صلبها (أنظمة برلمانية أو أنظمة رئاسية) بالإضافة إلى عديد التصنيفات الأخرى التي قد تميز بين حكم الفرد وحكم الأقليّة وحكم الأغلبيّة أو قد تفرق بين الديمقراطيّة النيابيّة والديمقراطيّة المباشرة والديمقراطيّة شبه المباشرة.
    غير أن معيار الفصل بين السلط يبقى المعيار الأوسع اعتمادا فقها وواقعا.
    السلطة تحد السلطة  (مونتسكيو)
    تكرس أغلب الدساتير صراحة أو ضمنيا مبدأ الفصل بين السلط وهو يفيد استقلال كل سلطة من السلط الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) عن الأخرى عبر الفصل بينها وظيفيا وهيكليا ضمانا لتخصصها وخصوصيتها،
    ولا يتعارض مبدأ التفريق بين السلط مع ضرورة التعاون بينها السلط والتكامل فيما بينها،
    ويقتضي السعي للتوازن بينها منح كل سلطة وسائل رقابة على السلطة الأخرى وردعها إن لزم الأمر تفاديا للإفراط في استعمال السلطة والتعسف فيها.
    الفصل بين السلط: الاستقلالية والتوازن
    يعتبر مبدأ الفصل بين السلط وما يستتبعه من آليات التوازن بينها المعيار الأساسي للتمييز بين الأنظمة السياسية المعاصرة عبر ما يتيحه من فرضيات متعددة كتلك التي تميز الأنظمة البرلمانية القائمة على الفصل المرن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية والتوازن الإيجابي بينهما أو تلك التي تختص بها الأنظمة الرئاسية المبنية على الفصل الجامد بين السلطتين والتوازن السلبي بينهما دون تجاهل الأنظمة المختلطة التي تمزج بين خصائص النظامين البرلماني والرئاسي دون أن تكون وفية بصفة مطلقة لأحدهما.
    فالنظام البرلماني ليس نظاما تتحقّق فيه السيطرة السياسيّة لفائدة البرلمان ولا النظام الرئاسي هو الذي يهيمن عليه رئيس الدولة.
    الدستور التونسي: المبادئ الأساسية للنظام السياسي الجديد
    أفصح الدستور التونسي في الفقرة الرابعة من توطئته على المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام السياسي التونسي والتي تقوم على مبدأ التفريق بين السلط والتوازن بينها ثم تضمن في بابه الثالث والرابع شروط الفصل وضوابط التوازن ليؤسس لنظام مختلط أو شبه برلماني
    تأسيسا لنظام جمهوري ديمقراطي تشاركي، في إطار دولة مدنية السيادة فيها للشعب عبر التداول السلمي على الحكم بواسطة الانتخابات الحرة،وعلى مبدإ الفصل بين السلطات والتوازن بينها ...»