عقدت لجنة المالية والميزانية جلسة يوم الاثنين 16 فيفري 2026 استمعت خلالها إلى ممثلين عن جهة المبادرة التشريعية حول مقترح قانون لإحداث البنك البريدي. وحضر الجلسة رئيس اللجنة السيد ماهر الكتاري ونائب الرئيس السيد ظافر الصغيري والسيدة زينة جيب الله المقررة وأعضاء اللجنة السيدة آمال المؤدب والسادة فاضل بن تركية ومحمد زياد الماهر ومحمد أمين الورغي ومسعود قريرة والنوري الجريدي وعدد من النواب من غير أعضاء اللجنة.
وفي مستهل الجلسة، ذكّرت جهة المبادرة بأن اللجنة كانت قد تداولت سابقاً حول مشروع قانون يتعلق بمكافحة الإقصاء المالي، غير أنّ مسار النظر فيه لم يُستكمل، إذ أفرزت النقاشات حينها قناعة مفادها أن معالجة ظاهرة الإقصاء المالي تقتضي مقاربة هيكلية شاملة تتجاوز الحلول الجزئية والظرفية، وتؤسس لتدخل عمومي منظم وفعّال في المجال المالي. وفي هذا السياق، برزت فكرة إحداث بنك بريدي كآلية مؤسساتية قادرة على إرساء معالجة هيكلية للإشكاليات المطروحة، وقد اعتُبر غياب هذا التمشي ضمن المشروع السابق أحد العوامل التي حالت دون مواصلة النظر فيه.
كما بيّنت جهة المبادرة أن إحداث بنك بريدي يمثل خياراً استراتيجياً يستجيب لمتطلبات المرحلة الراهنة، في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية، ولا سيما ما يتصل بتفاقم الفوارق الجهوية وضعف الكثافة البنكية بالجهات الداخلية. وأكدت أن الانتشار الجغرافي الواسع لشبكة المكاتب البريدية يُعدّ رصيداً وطنياً يمكن توظيفه لتقريب الخدمات المالية من المواطنين، خاصة في المناطق ذات التغطية البنكية المحدودة، بما يضمن نفاذاً أكثر عدلاً إلى الخدمات الأساسية.
كما شددت على أن الإدماج المالي والتمكين الاقتصادي لا يمثلان مجرد أهداف قطاعية، بل يشكلان مدخلاً أساسياً لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة، وترسيخ مقومات الدولة الاجتماعية العادلة، من خلال تمكين الأفراد من خدمات الادخار والتمويل والمرافقة المالية في إطار من الشفافية والأمان، وإدماجهم ضمن الدورة الاقتصادية الرسمية بما يحدّ من الاقتصاد الموازي ويعزز العدالة في توزيع الفرص.
وأكد ممثلو جهة المبادرة أن الإدماج المالي للفئات المهمّشة بنكيا يُعدّ جزءا أساسيا من الدور الاجتماعي للدولة، مشيرين إلى أنّ من بين الأهداف الجوهرية للبنك البريدي دعم فئتي المزارعين والحرفيين وتمكينهم من النفاذ إلى الخدمات المالية.
وأوضحوا أنّ البنية التحتية للبريد مؤهّلة لأن تكون مؤسسة قُرب لفائدة جميع التونسيين، مبرزين الثقة الكبيرة التي يحظى بها البريد في مختلف الجهات دون تمييز، وذلك مقارنة بالمؤسسات البنكية، وفي إطار من الشفافية مع الحرص على عدم المساس بنزاهة المنافسة. وأضافوا كذلك أنّ من بين أهم أولويات مجلس إدارة البنك البريدي تركيز نشاطه على التمويل الصغير، باعتباره أداة فاعلة لتحقيق الإدماج المالي والتنمية المحلية.
وفي هذا السياق، عبّروا عن انفتاحهم على كل مقترح يصدر عن الحكومة أو البنك المركزي من شأنه إثراء مقترح القانون سواء كان في اتجاه تحويل البريد إلى بنك بريدي في شكل منشأة اقتصادية جديدة تساهم في النمو الاقتصادي، أو كخيار بديل يتمثل في تطوير خدماته لتشمل الخدمات البنكية.
وختموا بالتأكيد على أنّهم لا يرون مانعا في دمج هذا المقترح مع مشروع قانون مكافحة الإقصاء المالي، وفي حال تعذّر ذلك، فإنّهم يتمسّكون بالمضي قدما في هذا المقترح لما له من أهمية استراتيجية واجتماعية.
وفي إطار النقاش، تناول النواب مسألة رأس المال والموارد المالية، مؤكدين أن نجاح المشروع يظل رهين توفير قاعدة مالية متينة ومستدامة تمكّن المؤسسة من الاضطلاع بدورها التنموي دون تحميل المالية العمومية أعباء إضافية. وتم التشديد على أهمية ضبط آليات واضحة لتكوين رأس المال، وتعبئة الموارد الذاتية، وحسن توظيف العائدات المتأتية من الحسابات البريدية، بما يحقق التوازن بين البعد الاجتماعي ومتطلبات الاستقرار المالي.
كما شدّدوا على ضرورة التنصيص صراحة على أنّ فتح فروع للبريد في الجهات يجب أن يراعي البعد الاجتماعي من جهة، ومتطلبات تقديم الخدمات البنكية من جهة أخرى، بما يضمن تحقيق التوازن بين الدور الاجتماعي والنجاعة المالية.
وأفردت اللجنة حيّزاً هاماً لدور البنك البريدي في دعم التنمية بالجهات الداخلية، معتبرة أن ضعف التجهيزات البنكية وتشتت النسيج الاقتصادي المحلي يستوجبان تدخلاً مؤسساتياً يعيد توزيع الخدمات المالية على نحو أكثر عدلاً وإنصافاً. وأكد النواب أن البنك البريدي يمكن أن يضطلع بدور محوري في تمويل القروض الصغرى والمتوسطة، ودعم بعث المشاريع الفردية، وتمكين الفئات الهشة من الاندماج في الدورة الاقتصادية الرسمية، مع إرساء آليات متابعة وتأطير تضمن حسن توظيف القروض ونجاعة استثمارها. كما تم تأكيد ضرورة التنسيق والتكامل مع مؤسسات التمويل الصغير وجمعيات القروض الصغرى، بما يعزز نجاعة المنظومة التمويلية الوطنية ويضمن تكامل الأدوار بين مختلف المتدخلين.
كما طرح بعض النواب إشكالية الضمانات عند إسناد القروض، متسائلين عن طبيعة العلاقة بين الفئات التي تعاني صعوبة في النفاذ إلى الخدمات البنكية والفئات غير القادرة على السداد، وذلك تفاديًا للخلط بين الإقصاء البنكي والهشاشة المالية. كما أثيرت مسألة مدى جاهزية البنية التحتية للبريد في الجهات للقيام بالعمليات البنكية، حيث عبّر بعض المتدخلين عن تشكّكهم في قدرتها الحالية على تحمّل هذا التحوّل.
ورأى عدد منهم أنّ دمج هذا المقترح مع مشروع القانون المتعلق بمكافحة الإقصاء المالي قد يكون خيارًا أفضل، بما يضمن انسجامًا تشريعيًا.
وفي سياق متصل، اعتبر بعض النواب أنّ المقترح يكتسي أهمية بالغة لارتباطه بالولوج إلى التمويل، غير أنّهم أبدوا تخوّفهم من اقتصار هدفه على هذا الجانب فقط، وهو دور يمكن أن يضطلع به البنك الوطني للتضامن، إضافة إلى تسجيل غياب مقاربة واضحة في مجال الرقمنة ضمن المقترح المعروض.
وتضمّن النقاش أيضًا جملة من الاستفسارات حول نسب الفائدة، وآجال السداد، وبقية الشروط المالية المرتبطة بإسناد القروض للفئات المستهدفة، فضلًا عن التساؤل بشأن الصلاحيات الإضافية التي سيتم منحها للبنك البريدي مقارنة بالوضعية الحالية للبريد.
وفي ردّهم على تدخلات النواب، أكّد ممثلو جهة المبادرة أنّ إحداث البنك البريدي لن يمسّ بمبدأ المنافسة الحرة والنزيهة بين مختلف المؤسسات البنكية، مشيرين إلى أنّ هذا المبدأ سيظلّ مكفولا، وأنّ دخول البنك البريدي إلى السوق سيعزّز العرض المالي دون الإضرار ببقية الفاعلين. وأضافوا أنّ البنك البريدي سيُمنح هامشًا من المرونة يتيح له التفاوض مع الحرفاء بما يتلاءم مع خصوصية الفئات المستهدفة، في إطار يحترم القواعد القانونية والضوابط الترتيبية الجاري بها العمل.
كما عبّروا عن انفتاحهم على كل مقترح من شأنه تطوير البعد الاقتصادي للمشروع وتحسين جدواه، بما يضمن تحقيق التوازن بين الدور الاجتماعي ومتطلبات الاستدامة المالية.
وعبروا عن الامل في أن يكون البنك البريدي قاطرة للمؤسسات التي تقدّم خدمات بنكية، وأن يشكّل نموذجًا متطوّرًا في هذا المجال، بل ولمَ لا يتحوّل مستقبلا إلى بنك افتراضي يواكب التحوّل الرقمي ويعزّز الشمول المالي.
وفي ختام الجلسة، قررت اللجنة مواصلة تعميق النظر في مقترح القانون في إطار تشاركي يشمل الاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية، ولا سيما البنك المركزي التونسي والوزارات ذات العلاقة، وتكوين فريق عمل قصد بلورة صياغة قانونية متكاملة وقابلة للتطبيق.
وواصلت اللجنة أشغالها في إطار موعدها الأسبوعي للتداول حول أولوياتها للفترة المقبلة، مؤكدة ضرورة تعزيز دورها الرقابي، ومتابعة إستعمالات القروض الممنوحة، والقيام بالزيارات الميدانية المقررة، وخاصة إلى البنك المركزي التونسي، إلى جانب برمجة لقاءات واتصالات لاحقة مع مختلف الهياكل المعنية، في إطار دعم الشفافية وضمان حسن سير المنظومة المالية