لجنتا المالية والميزانية وتنظيم الإدارة تعقدان جلسة استماع مشتركة حول مقترحي قانونين يتعلقان بالفوترة الالكترونية

عقدت لجنة المالية والميزانية يوم الثلاثاء 03 مارس 2026 جلسة مشتركة مع لجنة تنظيم الإدارة وتطويرها والرقمنة والحوكمة ومكافحة الفساد استمعت خلالها إلى عميد الهيئة الوطنية للمحامين حول مقترح قانون يتعلق بتنقيح القانون عدد 17 لسنة 2025 المؤرخ في 12 ديسمبر 2025 المتعلق بقانون المالية لسنة 2026 ومقترح قانون عدد يتعلّق بتمديد آجال الامتثال للواجبات الخاصة بالفوترة الالكترونية.
وحضر الجلسة عن لجنة المالية رئيس اللجنة السيد ماهر الكتاري والمقررة السيدة زينة جيب الله، وأعضاء اللجنة السيدة آمال المؤدب والسيدين عصام شوشان وفاضل بن تركية، وعن لجنة تنظيم الإدارة رئيس اللجنة السيد سامي الرايس ونائب الرئيس السيد مراد الخزامي وعضو اللجنة السيدة بسمة الهمامي وعدد من غير أعضاء اللجنتين.
وأكد عميد الهيئة الوطنية للمحامين في مستهل مداخلته دعم الهيئة لكل مبادرة تشريعية إيجابية تصدر عن مجلس نواب الشعب وتستجيب لمتطلبات المجتمع والتنمية، مبيّنا أن الفصل المتعلق بالفوترة الإلكترونية ضمن قانون المالية لسنة 2026 أثار جدلا واسعا في الوسط المهني، خاصة لغياب نقاش موسّع يضمن الحد الأدنى من المقبولية، لا سيما في المسائل الجبائية التي تقتضي تشاورا أوسع.
وأشار إلى دعوة رئيس الجمهورية لاعتماد المرونة في تطبيق هذا الفصل، معتبرا أن مسار إعداده لم يستكمل، في جانبه الحكومي، شروط الدراسة والتشاور المسبقين، ومذكّرا بأهمية أدوار الهياكل الاستشارية ودراسات الأثر في مرافقة التشريعات ذات الانعكاس الاقتصادي.
وبيّن أن الاعتراضات تعود إلى اعتبارات مادية وفنية، إضافة الى ما أفرزته من إرباك قانوني وتحركات نيابية لتعديله. وأوضح أن الفوترة الإلكترونية، وإن كانت من حيث المبدأ أداة لدعم التنافسية وشفافية المعاملات، فإن تطبيقها على المهن الحرة يثير إشكالات خصوصية.
وشدّد على أن الإجراء يمسّ مبادئ أساسية لمهنة المحاماة، وفي مقدمتها السر المهني والأمان القانوني للحريف، كما أن مفهوم “إسداء خدمات” لا يجد أساسا دقيقا في القانون الجبائي الذي يميّز بين المهن التجارية وغير التجارية، بما يستوجب احترام مبدأ حياد الضريبة وخصوصية المهن غير التجارية. وختم بالتنبيه إلى أن أرشفة المعطيات لدى أطراف أخرى لا ينسجم مع النظام القانوني للمهن الحرة ومتطلبات حماية المعطيات في علاقة المحامي بحريفه.
وقدّم أحد ممثلي الهيئة جملة من الملاحظات والتحفظات بخصوص إجراء الفوترة الإلكترونية، مبيّنا أن الفاتورة في أصلها آلية لاستخلاص الأداء على القيمة المضافة وترتبط أساسا بالأنشطة التجارية الخاضعة له. وأشار إلى أن الفصل 22 من قانون المالية لسنة 2016 أقرّ نظام “مذكرة الأتعاب” لفائدة عدد من المهن غير التجارية، كالأطباء والمحامين والمهندسين والبياطرة، مع التنصيص على عدم إلزامهم بالإدلاء بمعطيات تخص الحرفاء، معتبرا أن هذه المذكرات لا تندرج ضمن مفهوم الفاتورة الإلكترونية بالمعنى التجاري.
وأكد أن الهيئة لا ترفض مبدأ الفوترة في حد ذاته، وإنما تعترض على إلزامية الصيغة الإلكترونية لما تثيره من إشكالات عملية ومهنية. كما أشار إلى أن التجارب المقارنة اعتمدت الفوترة الإلكترونية تدريجيا وعلى مراحل انتقالية مطوّلة، وكان هدفها الأساسي تحسين المعاملات لا التشديد الرقابي.
وتساءل عن مبررات التعجيل في اعتماد المنظومة في ظل ما اعتبره نقصا في الجاهزية التقنية، لافتا إلى أن كلفة الانخراط قد تتراوح بين ألف وألفي دينار للمحامي، فضلا عن اعتبار العقوبة المالية المقترحة مرتفعة مقارنة ببعض التجارب الأخرى.
وخلال النقاش، تفاعل النواب مع المداخلتين، معتبرين أن العرض قد يوحي بعدم الحاجة إلى الفوترة الإلكترونية، وهو ما استدعى توضيح الموقف العملي للهيئة. وأشار البعض إلى أن انخراط المؤسسات الكبرى في المنظومة منذ إقرارها سنة 2016 لم يكن في مستوى التطلعات، رغم أن تونس اعتمدت تمشيا قريبا من بعض التجارب الأوروبية. واعتبروا أن الإشكال لا يتعلق فقط بالنص القانوني، بل كذلك بمدى الجاهزية الفنية والقدرة على المرافقة، متسائلين عن البديل المقترح من قبل الهيئة: هل يتمثل في الإلغاء الكلي أم في تأجيل مضبوط بآجال واضحة، مع برنامج تدريجي يحدد مراحل الانخراط الإجباري.
وأكّد النواب ضرورة تقييم الأثر المالي لكل إجراء قبل اعتماده، سواء من حيث كلفته على المهنيين أو من حيث مردوديته على المالية العمومية. كما أشاروا إلى أن عددا من الدول اعتمدت الفوترة الإلكترونية ضمن سياسة شاملة لتحسين جودة الخدمات وتيسير المعاملات وتحديث الإدارة، لا باعتبارها أداة رقابية صرفة، داعين إلى تبني مقاربة متوازنة تجمع بين متطلبات الرقمنة وضمانات الحقوق.
وشدّد عدد من النواب على أن أهداف الفوترة الإلكترونية تتجاوز الجباية لتشمل دعم الشفافية والنزاهة، وتعزيز مسار الرقمنة، وإدماج الناشطين في القطاع غير المنظم ضمن الدورة الاقتصادية الرسمية، بما يساهم في توسيع القاعدة الجبائية والتقليص من التهرب الضريبي والتصريح غير المطابق بالمداخيل. واعتبروا أن تحقيق العدالة الجبائية يقتضي إدماج جميع الفاعلين في المنظومة دون استثناء.
كما أثيرت مسألة مدى انسجام بعض المذكرات التطبيقية مع أحكام الفصل موضوع النقاش، مع التساؤل حول إمكانية الطعن فيها إذا ثبت تجاوزها للإطار القانوني. وفي هذا السياق، تم التأكيد على أهمية اعتماد مبدأ التدرج لتفادي الإرباك وضمان قبول أوسع من قبل المهنيين.
وختاما، طُرح مقترح عملي يقضي بالشروع في اعتماد الفاتورة الإلكترونية كبديل عن الورقية، مع تعليق العمل بالعقوبات خلال فترة انتقالية يتم خلالها تقييم التجربة ورصد الصعوبات التقنية والقانونية، قبل إعادة النظر في الجانب الزجري على ضوء نتائج التقييم. كما دعا عدد من النواب إلى تنظيم يوم دراسي برلماني تشاركي يضم خبراء في الجباية والرقمنة وممثلي المهن المعنية، بهدف تعميق النقاش واتخاذ قرار مبني على أسس علمية وتوافقية.
وأكّد عميد الهيئة الوطنية للمحامين ومرافقوه في ردودهم، أن الإشكال لا يمكن معالجته بمعزل عن إصلاح جبائي شامل يخفف الضغط على المهن غير التجارية ويحدّ من توسّع الاقتصاد الموازي، معتبرين أن المقاربة الجزئية أو التقنية لن تحقق النتائج المرجوة. وبيّنوا أن التدرّج في التطبيق، رغم وجاهته مبدئيا، يصعب تنزيله حاليا لغياب الإعداد اللوجستي والتشريعي الكافي، مع التشديد على ضرورة مراجعة المنظومة الزجرية احتراما لمبدأ التناسب بين الخطأ والجزاء وضمان الوضوح في النصوص، واقتراح تعليق الجانب الزجري في حال اعتماد مرحلة انتقالية.
وأشاروا إلى أن الإجراء أُقرّ منذ 2016 دون تطوير يُذكر، وأن الانتقال إلى الفوترة الإلكترونية يتم دون تحضير كافٍ، في حين تظل الفاتورة الورقية قادرة على ضمان التتبع المحاسبي. كما دعوا إلى إحالة تقييم الأثر المالي على الجهة المختصة، مع التذكير بالدور الرقابي للنواب ومسؤولية التشريع في المجال الجبائي.
ودعوا في الختام إلى إلغاء الإجراء في صيغته الحالية وفتح مشاورات موسعة تضم مختلف المتدخلين، مع إعداد ملف شامل بكل النصوص والمذكرات الصادرة منذ 2016 لتقييم المسار قبل اتخاذ أي قرار جديد

الملفات المرفقة :

مقالات أخرى